أمست خوارزميات الذكاء الاصطناعي منتشرة في كل حدب وصوب، فقد بُرهن على كفاءتها في شتى الميادين، سيما في إجراءات الحماية التي عادةً تتضمن مزايا التعرّف على الوجوه والخصائص البيومترية، وحتى المركبات ذاتية القيادة والمسيّرات المستخدمة في مجالات العسكرية.

تُدرب خوارزميات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي على التمييز بين الصور بناءً على خصائص البيانات المنفردة بكل صورة، فمثلًا العلامات المميزة للوجه تكون نقاط مفصلية لتفريق الصور عن بعضها في أثناء تأدية عمليات التعرّف على الوجوه المختلفة. لكن توجد نقطة أيضًا لا بد من الإشارة إليها، وهي أرجحية الهشاشة لتلك البيانات أمام الهجمات السيبرانية، إذ إنّ التلاعب بالبيانات مهما كان مقداره سيترك انطباعًا كبيرًا نسبيًا على نتائج تلك الخوارزميات، وهذا قد يفتح الباب على مصراعيه أمام هجمات سيبرانية خطيرة.

هل ستكون الحوسبة الكمومية المنقذ؟

نشر باحثون من جامعة ملبورن ومركز (CSIRO’s Data61) دراسة في مجلة (في Nature Machine Intelligence) وذلك في 25 مايو 2023، وسلطت هذه الدراسة الضوء على التقدّم المفزع الحاصل في مجالات الحوسبة الكمومية، وخصوصًا إمكانياتها فيما يتعلق بخدمات حماية خوارزميات الذكاء الاصطناعي ضد الهجمات السيبرانية.

قاد هذه الدراسة الدكتور محمد عثمان وبوصفه أيضًا قائد فريق الأنظمة الكمومية من (CSIRO’s Data61)، وقد أشاد بالتضافر المحتمل بين الحوسبة الكمومية والذكاء الاصطناعي وقدرته على تغيير قواعد اللعبة، يقول عثمان: «يزداد البحث عن الميزات الأفضلية التي تمنحها الحوسبة الكمومية … فالتعلم الآلي الكمي سيكون من أوائل التطبيقات للحوسبة الكمية، وتكامل الكمومية مع التعلم الآلي سيسرع تدريب الذكاء الاصطناعي ويحسّن من صموده أمام الهجمات السيبرانية».

لما كل تلك الضجة حول الحوسبة الكمومية؟

شهدت دول العالم مؤخرًا تزايدًا ملحوظ في الطلب على الدراسات والأبحاث في مجالات الحوسبة الكمومية، وأمست تتسابق فيما بينها. ففي 3 مايو 2023 أطلقت الحكومة الأسترالية مركز (National Quantum Strategy) الذي حُددت رؤيته بوضع أستراليا على قمة العالم في مجالات الأبحاث والصناعات الكمومية بحلول 2030. وقد بلغ التوقع الاستراتيجي لإنتاج الصناعات التقنية للمركز بحجم 6 مليار دولار أمريكي بحلول 2045. وقد أطلقت أيضًا منصة علمية تُعنى بالمستقبل الكمومي بهدف تطوير تقنيات تواكب التطور التقني والكمومي الحاصل، وسيُقبل الطلاب الراغبين بالانضمام إلى البرنامج الجديد الذي يهدف إلى إنشاء جيل من المختصين في مجال التقنيات الكمومية.

كيفية العمل

يعد مجال الحوسبة الكمومية من الأقسام المستحدثة في علم الحوسبة، إذ يعتمد على تخزين البيانات على شكل كيوبتات عوضًا عن البتات الثنائية التقليدية، إذ يُخزن البت المفرد ويُعالج في صيغة النظام الثنائي 0 و1 في وحدات التخزين الحاسوبية المناسبة، بينما تُستبدل الكيوبتات الكمومية بإحدى القيم 0 و1 أو حتى كليهما تزامنًا وهي ما يسمى بخاصية التراكب الكمومي (superposition).

تضفي ميكانيكا الكم حسنةً ثانية على الحوسبة وهي ما يسمى بالتشابك الكمومي (entanglement)، إذ تمكّن هذه الخاصية الكيوبتات من التفاعل بمعزل عما يفصل بينها من مسافة أو وسط ناقل، وقد وصفها آينشتاين بمقولته الشهيرة: «تأثيرات شبحية مقبلة من الأفق البعيد». تتجلى أيضًا القدرة التنفيذية العالية للحواسيب الكمية بمعالجة البيانات التي تتطلب آلاف السنوات من أزمان التنفيذ في الحواسيب التقليدية بساعات قليلة فقط.

مزايا ميكانيكا الكم

مؤخرًا أخذ الطلب بالتزايد الشديد على دواعي الحماية في قطاعات صناعية وتجارية مختلفة بدءًا من النقل ووصولًا إلى البنوك، إضافة إلى إدماجهم لتقنيات الذكاء الاصطناعي الذي أثبتت جدواها وبفعالية. وهنا لا بد من التخيل عن مدى كفاءة تلك الخوارزميات عند إنشائها على مبادئ ميكانيكا الكم، فبضمان الذكاء الاصطناعي تعزيز قدراته، بالوسع حينها المساعدة على الحماية من الهجمات السيبرانية، ما سيشكل ميزة مغرية لجميع مستخدميها.

من ناحيته، أشار البروفيسور عثمان إلى الحوسبة الكمومية على إنها سلاح ذو حدين فمن الممكن أيضًا توليد هجمات سيبرانية مضادة وخطرة جدًا، إذ قال: «تُعد هذه الأنواع من أخطر الهجمات السيبرانية وأكثرها تهديدًا. لكن التقدّم التقني في العتاد الكمومي البرمجي والصلب هائل، ويأتينا كل مرة بتطور تراكمي لحل مشكلات وأخطاء ما سبقه. ففي المستقبل القريب، ستستطيع الحواسيب الكمومية توظيف خوارزميات التعلّم الآلي الكمومي لاستعراض الفوائد المتعددة».

يضيف مختتمًا: «إنّ نوعية هذه الأبحاث مثيرة للاهتمام، إذ قد تضفي منافع اجتماعية واقتصادية إضافة إلى قدرات الحماية الهائلة».

اقرأ أيضًا:

هل سيتمكن الذكاء الاصطناعي المتقدم مستقبلًا من حل كل المسائل في عالمنا؟

الحوسبة الكمومية في طريقها نحو تغيير العالم

ترجمة: علي الذياب

تدقيق: رغد أبو الراغب

مراجعة: محمد حسان عجك

المصدر