هي فكرة إنشاء دولة في الفضاء ، يتمتع جميع مواطنيها بحرية الوصول إلى الفضاء، بصرف النظر عن عرقهم أو دينهم أو مستوى تعليمهم. سكن أسلافنا الأرض مدةً تزيد على 6 ملايين سنة، أما الإنسان العاقل الذي يشكل النوع الذي ينتمي إليه جميع البشر المعاصرين، فقد كان موجودًا منذ نحو 300 ألف عام فقط.

على مدى آلاف السنين، تطور البشر جسديًا وسلوكيًا، ومع مرور الوقت أصبحنا أكثر ذكاءً واطلاعًا ومرونةً، فطورنا لغةً للتواصل، واكتشفنا أدوات لبناء الإمبراطوريات، وابتكرنا تقنيات للتقدم وبنينا حضارات، ونجحنا في الانتشار والازدهار في جميع القارات على الأرض، من المناطق شديدة البرودة بالقرب من القطبين الشمالي والجنوبي إلى المناطق الحارة والرطبة الواقعة على خط الاستواء، ونجونا من أخطار الطقس عبر الزمن، فأثبتنا وجودنا في كل مكان تقريبًا على هذا الكوكب. ومع ذلك، بدأت الموارد المتاحة على كوكبنا بالنفاد مع وجود 7.5 مليار نسمة منا، ومن القصور أن نبحث عن سبل جديدة لاكتشاف الكوكب وتوسيع نطاق وجودنا، لذلك نحتاج إلى النظر فيما وراء الأرض.

فماذا لو تمكنا من الاستقرار في مكان ما بعيدًا عن الأرض؟ ربما في مكان ما في الفضاء، ماذا لو بنينا دولةً في الفضاء حيث يستطيع جميع المواطنين بصرف النظر عن طائفتهم أو عقيدتهم أو ديانتهم أو مستوى التعليم أن يعيشوا بسلام؟

قد يبدو هذا ضربًا من الخيال بعيدًا عن العلم، ولكن في الحقيقة تسعى مجموعة دولة أسجارديا الفضائية جاهدةً لمقاومة مصاعب تأسيس دولة من البشر في الفضاء.

الدولة الفضائية أسجارديا

تسعى مجموعة دولية من المهندسين وعلماء الفلك والمحامين ورجال الأعمال لتأسيس دولة في الفضاء، ومع وجود عدد كبير من المشاركين في هذه المهمة، فإن الأب الروحي لهذه الفكرة هو العالم الروسي الذي تحول إلى رائد أعمال، إيغور روفوفيتش أشوربيلي.

إيغور روفوفيتش أشوربيلي، الرجل الذي يقف وراء مبادرة دولة الفضاء أسجارديا

إيغور روفوفيتش أشوربيلي، الرجل الذي يقف وراء مبادرة دولة الفضاء أسجارديا

الهدف من الدولة الفضائية أسجارديا وفقًا لمنظميها هو التوصل إلى إطار قانوني جديد للاكتشاف السلمي في الفضاء، يخلو من السيطرة الحكومية الأرضية، لذلك وضع منظمو أسجارديا ثلاثة أهداف مهمة ورسمية تتضمن:

  1.  ضمان الاستخدام السلمي والعادل للفضاء.
  2.  حماية البشر من أخطار الفضاء.
  3.  إنشاء قاعدة معرفية علمية مجانية متاحة للجميع من دون سلاح في الفضاء.

مع تحديد هذه الأهداف رسميًا، يتمثل الهدف الضمني للمبادرة بأكملها في إنشاء حضارة إنسانية في الفضاء تشبه الدولة في القريب العاجل.

كيف بدأت؟

يقود هذه المبادرة العالم الروسي إيغور أشوربيلي، بدأ قيادته بإطلاق مركز للأبحاث المستقلة AIRC سنة 2013، وسنة 2014 بدأ المركز بإصدار مجلة فضائية دولية تسمى روم ROOM، وترأس أشوربيلي تحريرها، وسنة 2016 أعلن أول مرة عن فكرة دولة أسجارديا الفضائية، ودعا الناس للحصول على جنسية في هذه الدولة الفضائية الافتراضية، وسمى الشخص الذي يُمنح العضوية أسجاردي.

من يمكنه أن يصبح أسجاردي؟

حاليًا، لا توجد قواعد صارمة كي تصبح أسجاردي، لكن يجب أن يكون عمرك أكثر من 18 عامًا، ويجب أن تمتلك عنوان بريد إلكتروني. أساسًا، يستطيع أي شخص بالغ من أي جنس أو عرق أو دين أو وضع مالي أن يتقدم بطلب للحصول على الجنسية، بل يستطيع المدانون السابقون التقدم أيضًا، بشرط التبرئة من تهمهم حين تقديم الطلب.

في غضون 48 ساعة من إعلان هذا المشروع، تقدم أكثر من 100 ألف شخص للحصول على الجنسية على موقع أسجارديا الإلكتروني، وفي الوقت الحالي يتلقى الموقع الطلبات من أكثر من 1.5 مليون شخص في 200 دولة.

أنشطة أسجارديا الفضائية والخطط المستقبلية

سجلت أسجارديا بعد إطلاقها سنة 2016 وجودها في الفضاء أول مرة بواسطة إطلاق القمر الصناعي أسجارديا-1 من مرفق الطيران والوبس التابع لناسا في فيرجينيا في نوفمبر 2017، إذ طورت شركة الطيران الأمريكية الخاصة نانوروك القمر الصناعي.

أسجارديا-1 هو قمر نانوي بحجم رغيف الخبز، يتمثل أحد أهداف هذه المهمة الفضائية في تجريب تخزين البيانات على محرك أقراص الحالة الصلبة SSD في مدار أرضي منخفض، إذ يحتوي القمر الصناعي أسجارديا-1 على قرص SSD بسعة 512 جيجابايت يحتوي في معظمه على صور عائلية أرسلها نحو 18 ألف عضو في هذا المشروع.

تخطط أسجارديا مستقبلًا لتوطين مستعمرة بشرية في مدار على بُعد 100-200 ميل تقريبًا من سطح الأرض، ويحتمل أن يتحقق ذلك عند إنشاء محطة فضائية دولية ستكلف مليارات الدولارات، لذلك تُعد الفكرة صعبةً من الناحية المالية في الوقت الحالي.

محطة الفضاء الدولية

محطة الفضاء الدولية

مشكلات أسجارديا

تبدو قصة أسجارديا فكرةً نبيلةً، لكن في الواقع هي مبادرة محفوفة بالتحديات.

 لا تعترف بها الأمم المتحدة

لا تعترف الأمم المتحدة ولا أي دولة أخرى بأسجارديا بوصفها دولة، لكن أشوربيلي يزعم أن فريقه يعمل مع خبراء قانونيين لطرح هذه الفكرة على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للحصول على اعتراف رسمي بأسجارديا.

مع ذلك، وفقًا لجوان جابرينوفيتش، الخبيرة في قانون الفضاء: «يجب أن تتمتع الدولة بمجموعة من الخصائص تتمثل في سكان دائمين وإقليم محدد وحكومة، والقدرة على الدخول في علاقات مع دول أخرى، مع وجوب اعتراف بقية الدول بها بوصفها دولة». لذا سيكون أمرًا صعبًا لأسجارديا، مع الأخذ في الاعتبار أنه ليس لديها أي أراض خاصة بها على كوكب الأرض.

 لا تتوافق مع معاهدة الفضاء الخارجي

توجد عقبة كبيرة أخرى أمام أسجارديا يجب أن تتجاوزها وهي معاهدة الفضاء الخارجي (OST) التي تدعمها حاليًا نحو 110 دولة، متضمنةً جميع الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وغيرها.


تمنع معاهدة الفضاء الخارجي أي دولة من المطالبة بالسيادة في الفضاء، وتؤكد أنه عندما ترسل دولة أو شركة من ذلك البلد مركبةً فضائيةً إلى الفضاء، تصبح المهمة الفضائية مسؤولية الدولة، فمثلًا إذا اصطدم قمر صناعي أرسلته شركة سبيس إكس أو ناسا بقمر صناعي روسي، تستطيع روسيا أن تضع المسؤولية على عاتق حكومة الولايات المتحدة وتطالبها بتعويضات ضخمة.

أجرى أسجارديا-1، أول مهمة فضائية أطلقتها أسجارديا بالتعاون مع الشركات الأمريكية وناسا التي تولت مهمة إطلاقه، وعلى ذلك أصبحت مهمتهم من الناحية الفنية طبقًا للمعاهدة تحت مسؤولية وكالة الفضاء الأمريكية وليس دولة أسجارديا المستقلة.

لم يبق أمام أسجارديا للتحايل على قيود معاهدة الفضاء الخارجي إلا الشراكة مع الدول غير الموقعة عليها، وهي غالبًا بلدان لا تملك بنيةً تحتيةً كافيةً لإطلاق بعثات فضائية.

كلمة أخيرة

تُعد فكرة إنشاء دولة في الفضاء يتمتع جميع مواطنيها بحرية الوصول إلى الفضاء بصرف النظر عن العرق أو الدين أو التعليم، فكرةً واعدةً مثيرة، لكن عندما تحاول معرفة كيفية تطبيقها تقنيًا وماليًا وقانونيًا، تتحول إلى حلم عابر. ربما في المستقبل ستتحول فكرة أسجارديا اليوتوبية إلى حقيقة، أما الدولة الموجودة حاليًا لا تتعدى قمرًا صناعيًا صغيرًا لا يزيد حجمه على رغيف خبز!

اقرأ أيضًا:

كيف يتواصل البشر على محطة الفضاء الدولية ؟

من يمتلك القمر ؟ قانون و معاهدات الفضاء الخارجي

ترجمة: صابر مخلوف

تدقيق: راما الهريسي

مراجعة: أكرم محيي الدين

المصدر