ازداد استخدام مصطلح النرجسية خلال فترة رئاسة رئيس الولايات المتحدة السابق دونالد ترامب وأصبح أكثر رواجًا مؤخرًا في الثقافة الشعبية الغربية، لذلك أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية تعج حاليًا بالنصائح والقصص والنظريات التي يقدمها المعالجون النفسيون وعلماء النفس ومدربو الحياة والنرجسيون الصريحون لإرشاد الأشخاص المرتبطين مع شخص نرجسي أو لمساعدة النرجسيين على التعامل مع أعراضهم.

يُستخدَم مصطلح النرجسية عادةً لوصف الأشخاص المغرورين والأنانيين، لكن قد يعاني الأشخاص الذين يبدون سمات نرجسية اضطراب شخصية يسمى اضطراب الشخصية النرجسية.

نتيجة للتطور السريع في مواقع التواصل الاجتماعي خلال العقد الأخير، تغيرت كيفية تواصل البشر وتعاملهم مع بعضهم تغيرًا جوهريًا، وقد تبدو مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتيك توك وإنستغرام مهرجانًا للنرجسيين، فهي تتيح مشاركة محتوى إطراء الذات مثل الصور المغرية ومنشورات التبجح والعطلات الساحرة مع جمهور واسع ثم تلقي ردود فعل فورية على هيئة إعجابات وتعليقات داعمة من المتابعين.

تقول المعالجة النفسية إبريل إيلكمن المتخصصة في مشكلات العلاقات المرتبطة بالتعلق: «تعاملت خلال مسيرتي المهنية مع العديد من الأزواج الذين كانت حالة أحدهما تُصنف من طيف اضطراب الشخصية النرجسية. من ضمن الأسباب التي تجعل معالجة الشريك النرجسي أمرًا صعبًا أن النرجسيين ماهرون في إقناع شريكهم أنه الشخص المضطرب في الواقع».

تعريف النرجسية في علم النفس

يستخدم الطبيب النفسي أوتو كيرنبيرغ المختص في اضطرابات الشخصية نظامًا يقيم قدرة الشخص على الانخراط في علاقة عاطفية مريحة للتفريق بين النرجسية الطبيعية والمرضية.

يشير مصطلح النرجسية الطبيعية إلى الشعور المتكامل بالذات الذي يفيد عمومًا في العلاقات، مثل شعور صحي بالاعتزاز بالنفس والإنجازات الشخصية، في حين يصف مصطلح النرجسية المرضية التقلبات الشديدة بين الشعور بالدونية والفشل، والشعور بالاستعلاء والعظمة.

يوجد قليل من النرجسية الطبيعية عند كل شخص، ويتجلى ذلك في صورة الثقة بالنفس وبعض الشعور بالاستحقاق، ولكن مع التعبير عن المشاعر والتعاطف.

تبين البحوث أن دور النرجسية الطبيعية يظهر في الحياة اليومية لدى مختلف الأشخاص بمستويات غير مرضية، وأنه يساعدهم على تطوير أنفسهم وإحراز تقدم في حياتهم، ولكن عندما يقترن السعي نحو تحقيق الإنجازات مع رغبة مفرطة في الاهتمام والقبول وشعور كبير بالعظمة، يخرج ذلك عن نطاق النرجسية الطبيعية.

يرى الشخص المصاب بالنرجسية المرضية الآخرين بصفتهم امتدادًا لنفسه، لذلك يرى أنه ينبغي على الأشخاص المقربين منه إظهار الكمالية دائمًا لأنهم يساهمون في صورته الذاتية. تتجلى النرجسية في العلاقات الحميمة عبر حلقة التمجيد والانحطاط على غرار العديد من اضطرابات الشخصية الأخرى، ما يفضي إلى مفهوم ما يُعرف بالعلاقة السامة.

كيف يجد النرجسي ضحيته؟

يتوقف اختيار النرجسي لشريكه على إقراره بشعوره المفرط بالأهمية الذاتية، وبما أن تأكيد الشريك على عظمة النرجسي يُعد الدافع الرئيسي للعلاقة، لا يهتم النرجسي عامةً بالتعرف على شريكه.

لا ينجذب النرجسيون إلى الصفات الشخصية لشركائهم أو الصلة الناتجة عن العلاقة، لكن إذا كان الشريك جذابًا في نظرهم ولديه مكانة مرموقة، يصبحون مستعدين للتقدم بسرعة في العلاقة، لكن بما أن اهتمام النرجسي في شريكه عادةً اهتمام سطحي، فإنه يفقد اهتمامه بالعلاقة بالفجائية ذاتها التي بدأوا بها العلاقة.

تصنف الإساءة النرجسية نوعًا من الإساءة النفسية والعاطفية، وهي تتمثل غالبًا في التعرض إلى الاستغلال والتواصل المتلاعب والخداع المتعمد من قبل شخص تتوفر فيه معايير النرجسية المرضية.

أشكال النرجسية

قد تكون الإساءة النرجسية خفية ويصعب إدراكها، وبما أن علاماتها ليست دائمًا واضحة، فمن المهم تسميتها وتمييزها.

  •  التلاعب النفسي أو الإيهام: يستخدم النرجسي هذه الاستراتيجية لتشكيك ضحيته في قدرتها على اتخاذ قرار أو تصرف ما، ويستخدم الناس هذه الوسيلة لإبقاء سيطرتهم على إدراك الآخرين للواقع. يشعر الضحايا المتعرضين إلى الإيهام بالشك والقلق، وقد يواجه بعضهم صعوبة في إدراك تعرضهم إلى الإيهام من الأساس. ينشأ اتكال أو تبعية مشتركة بين النرجسي والضحية في بعض العلاقات، وبذلك تتقبل الضحية سلطة النرجسي عليها.
  •  دور الضحية: توحي عقلية الضحية أن الجميع مدين للنرجسي بشيء ما. يبتكر النرجسي غالبًا رواية كاذبة تظهر أنهم لم يحققوا ما كان ينبغي عليهم تحقيقه في الحياة لأن بعض الأشخاص أخطأوا في حقهم. تعطيهم هذه الرواية مبررًا للشعور بالغضب والحقد تجاه أي شخص، لا سيما الأشخاص الذين يعدونهم ناجحين.
  •  حلقة التمجيد والانحطاط: يبني النرجسيون اعتقادات متطرفة عن أنفسهم والآخرين، ما يعني أن آراءهم عن أنفسهم وغيرهم قد تكون إيجابية إلى درجة استثنائية أو سلبية إلى درجة غير واقعية. يشعر النرجسي في مرحلة التمجيد أن هناك رابطة لا يمكن كسرها بينه والضحية، تتطور العلاقة بسرعة خلال هذه الفترة وتكون قوية سواء كانت عاطفية أو مهنية أو عائلية، ولكن يخيّب شريك النرجسي حتميًا أمله لسبب ما، عادةً عن غير قصد، فيستجيب النرجسي بانتقاد كل حركة والتسرع في الاستنتاجات والتفاعل بأسلوب مبالغ فيه مع خيبات الأمل المفترضة هذه. يعتبر النرجسي بعدئذ شريكه معيبًا ويتهمه بأنه لم يعد الشريك المثالي الذي كان من المفترض أن يكونه. تتسم هذه المرحلة بالإساءة اللفظية والجسدية والإهانة والتنمر والتشهير.
  •  الشعور بالخواء: يرى عالم النفس كيرنبيرغ أن عجز النرجسي عن بناء علاقات مستمرة تلبي احتياجاته يؤدي إلى شعوره الدائم بالفراغ الداخلي.

يشعر المصابون باضطراب الشخصية النرجسية في مرحلة ما غالبًا خلال سن الأربعين أو الخمسين أو الستين بشعور شديد بالفقدان. يصارع النرجسي عادةً شعورًا بالخواء ناجمًا عن اعتماده على شعور بالعظمة الذاتية الذي يمنعه من إظهار ضعفه، ثم يُسقط شعوره بالفراغ على شريكه في العلاقة. يعاني معظم هؤلاء المرضى أزمة هوية وشعور بالعجز والعزلة عن العالم.

كيفية التعامل مع الشركاء النرجسيين في العلاقة

بما أن النرجسي يمارس غالبًا أساليب سيطرته وتلاعبه النفسي في علاقاته مع أصدقاء شريكه وعائلته، فقد تتردد الضحية في الاعتماد على المقربين من أجل الدعم؛ لذا الخطوة الأولى في عملية التعافي من العلاقة هي البحث عن معالج نفسي متخصص في تخطي الإساءة النرجسية.

تقول إبريل إيلكمن: «أخبرني العديد من المرضى أن معالجيهم النفسيين لا يعرفون مصطلح النرجسية المرضية، لذلك أقترح على هؤلاء المرضى إيجاد معالج نفسي مختص في العلاج النفسي المرتكز على المشاعر أو العلاج النفسي المرتكز على التحويل، إذ يساعد هذان النوعان من العلاج على تحديد أنماط التواصل الهدامة عند ظهورها خلال الجلسة العلاجية عوضًا عن التركيز فقط على التعاملات التي تحدث خارج الجلسة».

«أرى أن العلاقات مع شركاء نرجسيين من أصعب العلاقات في العلاج، إذ لا يرغب الشركاء النرجسيين غالبًا في المشاركة في العلاج لأنهم لا يعترفون بحاجتهم إلى المساعدة ويواجهون صعوبة في التعاون مع المعالج النفسي، بيد أن العلاج نادر فإنه ليس مستحيلًا، ولكنه لا يمكن أن يحدث إلا حينما يقر الشريك النرجسي بأن توقعاته مدمرة وغير عقلانية».

اقرأ أيضًا:

كيف يتحكم النرجسي في دماغنا: علم الأعصاب يشرح ذلك

هل تروج المجتمعات الغربية النرجسية؟

ترجمة: رحاب القاضي

تدقيق: يمنى عيسى

مراجعة: نغم رابي

المصدر