مربع زجاجي صغير جدًا يستطيع تخزين مليوني كتاب من البيانات لعشرة آلاف عام!

16 أبريل 2026
12 مشاهدة
0 اعجاب

مربع زجاجي صغير جدًا يستطيع تخزين مليوني كتاب من البيانات لعشرة آلاف عام!


 

        أظهر علماء في مركز أبحاث مايكروسوفت بالولايات المتحدة نظامًا يُسمى سيليكا، لكتابة وقراءة المعلومات على قطع زجاجية عادية، إذ يمكنه تخزين بيانات تعادل مليوني كتاب في مربع رقيق بحجم كف اليد. ذكر الباحثون في ورقة بحثية نُشرت في مجلة نيتشر أن اختباراتهم تشير إلى إمكانية قراءة البيانات لأكثر من عشرة آلاف عام.


ما باستطاعة نبضات الضوء أن تفعله


        يستخدم النظام الجديد، المُسمى سيليكا، ومضات ليزرية فائقة القصر لنقش معلومات دقيقة على قطعة من الزجاج العادي. تُسمى هذه النبضات فائقة القصر لسبب وجيه، إذ تدوم كل نبضة منها أجزاءً من الكوادريليون من الثانية (أي الفيمتوثانية أو 10⁻¹⁵ ثانية). لكي تتخيل ذلك: مقارنة عشر فيمتوثانية بدقيقة واحدة أشبه بمقارنة دقيقة واحدة بعمر الكون بأكمله.


        يمكن استخدام هذه الومضات فائقة القصر لتوليد نبضات ضوئية أقصر تدوم بالأتوثانية (جزء من ألف من الفيمتوثانية أو 10⁻¹⁸ ثانية).


        يمكن استخدام هذه النبضات الأتوثانية لمراقبة حركة الإلكترونات داخل الذرات والجزيئات، وقد مُنحت جائزة نوبل في الفيزياء عام 2023 تقديرًا للعمل الرائد في هذا المجال، لكل من فيرينك كراوس، وبيير أغوستيني.


الكتابة على الزجاج


        تُستخدم نبضات الليزر الفيمتوثانية في تطبيقات تكنولوجية عملية، إذ تُتيح إحداث تغييرات عميقة داخل المواد الشفافة مثل الزجاج. تُنتج هذه الليزرات ضوءًا بطول موجي يمر عادةً عبر الزجاج دون تفاعل، لكن عند تركيز نبضات فائقة القصر من هذا الضوء بدقة على منطقة محددة، يتولد مجال كهربائي شديد يُغير التركيب الجزيئي للزجاج في منطقة التركيز.


        هذا يعني أن حجمًا ثلاثي الأبعاد صغيرًا جدًا، غالبًا ما يقل طول ضلعه عن جزء من مليون من المتر، هو ما يتأثر. يُطلق على هذا الحجم اسم فوكسل، ويمكن تحديد مواقعه بدقة متناهية داخل الزجاج.

عقود من البحث


        ليست فكرة استخدام وحدات البكسل المكتوب بالليزر لتخزين البيانات ثلاثية الأبعاد جديدة. بحث إريك مازور وزملاؤه في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية التخزين البصري الحجمي في تسعينيات القرن الماضي، وأظهر عملهم الرائد إمكانية نقش هياكل بيانات دائمة في الزجاج العادي باستخدام ليزرات الفيمتو ثانية.


        أعلن بيتر كازانسكي وزملاؤه في جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة عن تخزين البيانات في زجاج الكوارتز المنصهر بعمر افتراضي يبدو غير محدود، وقد ساهم هذا في ترسيخ فكرة أجهزة الذاكرة الزجاجية فائقة الاستقرار.


        أسس كازانسكي شركة SPhotonix لتسويق ما وصفوه بـالتركيب النانوي الزجاجي خماسي الأبعاد. شقت رؤيتهم لـبلورة الذاكرة خماسية الأبعاد طريقها إلى الثقافة الشعبية: إذ ظهر جهاز مشابه في أحدث أفلام سلسلة (Mission Impossible)، إذ صُور أنه خزانة آمنة قادرة على احتواء ذكاء اصطناعي قوي لكنه شرير.


نظام متكامل


        لا يدعي مشروع سيليكا تحقيق إنجاز علمي جديد، بل يُقدم الفريق أول عرض شامل لتقنية عملية قابلة للتطبيق في الواقع. يجمع عملهم جميع العناصر الأساسية لمنصة تخزين تعتمد على ليزرات الفيمتو ثانية والزجاج، متضمنةً ترميز البيانات وكتابتها وقراءتها وفك ترميزها وتصحيح الأخطاء.


        يستكشف العمل إستراتيجيات مختلفة لتحسين الموثوقية وسرعة الكتابة وكفاءة الطاقة وكثافة البيانات، ويتضمن تقييمات منهجية لعمر البيانات. درس مشروع سيليكا نوعين رئيسيين من وحدات البكسل المكعبة المكتوبة بالليزر.


        يتكون النوع الأول من تجاويف صغيرة مستطيلة الشكل، تُنشأ بواسطة انفجارات دقيقة داخل الزجاج بفعل الليزر. تتيح هذه الوحدات كثافة تخزين عالية للغاية تصل إلى 1.59 جيجابت لكل مليمتر مكعب. أما النوع الثاني، فيعتمد على إحداث تغييرات طفيفة في معامل الانكسار المحلي للزجاج. تمكن الكتابة بهذه الوحدات بسرعة أكبر وباستخدام طاقة أقل، لكن كل مليمتر مكعب من الزجاج يمكنه استيعاب كمية بيانات أقل.


        تستطيع هذه الطريقة كتابة البيانات بسرعة تصل إلى 65.9 ميغابت في الثانية، ويقول الباحثون إن هذه السرعة قابلة للزيادة باستخدام المزيد من أشعة الليزر.


        تشير التجارب إلى أن البيانات المكتوبة، حتى في حالة وحدات البكسل الطورية الأكثر حساسية، قد تظل مستقرة لأكثر من 10,000 عام، وهذا يتجاوز بكثير عمر وسائط التخزين الأرشيفية التقليدية مثل الأشرطة المغناطيسية أو محركات الأقراص الصلبة.


المستقبل


عندما بدأتُ دراسة الدكتوراه في أواخر التسعينيات في جامعة فيينا للتكنولوجيا، كنا من بين عدد قليل من المختبرات حول العالم التي تمتلك الخبرة اللازمة لبناء ليزرات قادرة على توليد نبضات فيمتوثانية.


أصبح من الممكن اليوم بعد عقود من التطور التكنولوجي شراء ليزرات فائقة السرعة تتمتع بالموثوقية والقوة ومعدلات التكرار المطلوبة للاستخدام الصناعي جاهزةً للاستخدام.


يُعد تخزين البيانات الأرشيفية بكثافة وسرعة وكفاءة عالية في استهلاك الطاقة تطبيقًا عمليًا واعدًا لهذه الليزرات. لا شك لدي في ظهور المزيد من التطبيقات مع استمرار نضوج تقنية الفوتونات فائقة السرعة. إنها أوقات مثيرة تنتظرنا.


كاتب المقال هو أليكس فورباخ، أستاذ في مركز أبحاث الفوتونيات، جامعة ماكواري

 

 



المصادر:


الكاتب

محمد الشرقاوي

محمد الشرقاوي
مراجعة

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين
تدقيق

روزان جاسم إلياس

روزان جاسم إلياس



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة