كانت اليونان القديمة مهد الحضارة الغربية، إذ أهدى اليونانيون العالم شِعر هوميروس الملحمي وفلسفة أفلاطون وسقراط والمعابد ذات الأعمدة الفخمة، وقدموا القرابين لمَجمَع من الآلهة الغيورة. ولكن يُثار التساؤل حول الحياة اليومية في اليونان القديمة، فيجيب مايكل لوفانو أستاذ التاريخ في كلية سانت نوربرت في دي بير بولاية ويسكونسن، ومؤلف كتاب «عالم اليونان القديمة: موسوعة الحياة اليومية» إنها كانت تشبه إلى حد كبير حياتنا حاليًا.

فيما يلي ثمانية أشياء استخدمها الإغريق في حياتهم اليومية للحصول على نبذة عن حياة أشخاص عاشوا منذ قرابة 3000 عام.

1- تماثيل الحماية

كان المنزل مركز الحياة اليونانية القديمة، وحماية المنزل وسكانه تطلبت القرابين والصلوات اليومية للآلهة، فوضع الإغريق مذبحًا عائليًا صغيرًا في الفناء، إضافةً إلى أشياء خاصة عند مداخل منازلهم «لحمايتها من الأرواح الشريرة أو الطاقات الخبيثة» بحسب ما يذكر لوفانو، وأحد هذه الأشياء تمثال صغير لهيرميس إله السفر وسُمي هيرم، فتتلي أفراد الأسرة الصلاة لهيرميس لحمايتهم في رحلتهم عند مغادرة المنزل حتى لو كانت مجرد زيارة قصيرة إلى السوق، ويقدموا صلاة الشكر عند عودتهم للمنزل بأمان.

من التميمات الشعبية الأخرى تمثال ثلاثي الجوانب لإلهة السحر هيكاتي وضعه الإغريق خارج مداخل منازلهم لطرد «العيون الشريرة» القادمة من الخارج، وصنعوا تماثيل صغيرة حمائية لهيكاتي من الخشب وضعوها في المنزل أو حملوها في الرحلات.

2- وعاء خلط النبيذ – الكراتر

الكلمة الإنجليزية «Crater – فوهة» تأتي من أحد أنواع الأواني اليونانية القديمة يُسمى «Krater-كراتر»، وكان الكراتر هو ما تتمحور حوله الندوات أي حفلات الشراب اليونانية القديمة المليئة بالخمر والنساء والأغاني.

عدّ الإغريق شرب النبيذ غير المخفف أمرًا «مبتذلًا» ويؤدي إلى الثمالة، وهنا جاء دور الكراتر الذي كان إناءً واسع الحواف ومصنوعًا من السيراميك أو البرونز، يُخلط به النبيذ بالماء ثم يُغرف للضيوف في الندوة.

أدت الندوات دورًا مهمًا في ديمقراطية مدينة أثينا، إذ تمكّن المواطنون من التجمع على نحو غير رسمي لتبادل الأفكار والانخراط في المناقشات الفلسفية، وأُجريت العديد من حوارات أفلاطون في مثل هذه الندوات. ويذكر لوفانو أن كل أسرة إغريقية امتلكت كراتر للتجمعات العائلية والاحتفالات، وصُنِعَ كراتر العوائل المتواضعة من السيراميك الأحمر غير المزخرف، في حين امتلكت العائلات الأكثر ثراء أواني كراتر بصور متقنة للآلهة بهيئات مبهجة.

3- أوعية التخزين الخزفية: الأمفورة والبيثوي

انتُشِلَ مع حطام السفن الإغريقية والرومانية الآلاف من أوعية التخزين الخزفية على متنها، واستُخدمت الأواني الخزفية في كل جوانب الحياة الإغريقية تقريبًا، فاستعملوها للشرب والخلط وتقديم الطعام والنقل، ولكنها استُخدمت خصيصًا لتخزين المواد الغذائية القيّمة مثل الحبوب والحليب وزيت الزيتون والنبيذ.

كان وعاء التخزين الخزفي الأكثر شيوعًا للاستخدام اليومي هو الأمفورة، وهو حاوية ذات مقبضين تُستخدم أيضًا كمقياس للحجم، وكان بإمكان الاغريق شراء أمفورة واحدة من العسل، أو أمفورتين من النبيذ في السوق.

أما فيما يخص الاستخدام المنزلي، فكانت للعوائل أوعية أكبر بكثير تُسمى بيثوي لتخزين المواد الغذائية الأساسية مثل الشعير وزيت الزيتون للمدى الطويل، ويذكر لوفانو بهذا الصدد أنهم «استهلكوا الحبوب كل يوم واستخدموا زيت الزيتون في كل شيء، إذ غسلوا شعرهم بزيت الزيتون، ونظفوا به أجسادهم، وصنعوا به الصابون وطبخوا به، وجعلوا منه وقودًا لمصابيح الزيت». وكان البيثوي كبيرًا كفايةً لاستيعاب شخص أو شخصين بداخله، ودُفِنَ جزئيًا أحيانًا في غرفة داخلية للحفاظ على برودة المحتويات لتكون أقل عرضةً للفساد.

4- الملابس: البيبلوس والخيتون

كان العري هو عُرف الفن والنحت اليوناني القديم، ولكن في الحياة اليومية ارتدى الإغريق الملابس بالتأكيد. ودارت جميع ملابس الاغريق باختلافاتها حول طراز واحد يتمثل بقطعة كبيرة من القماش تكون عادةً من الصوف وأحيانًا من الكتان أو القطن، ارتدوها على شكل طبقات، وثُبتت على نحو مريح وعصري.

يذكر لوفانو: «كان معظم الإغريق يرتدون الخيتون أي الثوب القصير، إنه قميص طويل يصل إلى منتصف الفخذ، وكانوا يربطونه حول الخصر بنوع من الخيط أو الحبل». وقد يُرتدى الخيتون بوصفه لباسًا داخليًا لطبقات إضافية من الملابس مثل عباءة تُسمى الهيماتيون أو يمكن ارتداؤه بمفرده.

أما النساء فارتدين أثوابًا طويلة، ولكن ارتدين أيضًا نوعًا من الفساتين بطول الكاحل يُسمى بيبلوس الذي صُنع من قطعتين من القماش مثبتتين أو مشبوكتين معًا عند الكتفين، ويضيف لوفانو أن علماء الآثار يعثرون روتينيًا على هذه المشابك التي تتنوع من دبابيس برونزية بسيطة إلى قطع مجوهرات مصنوعة من الفضة والذهب.

5- العربات التي تجرها الخيول

كان سباق العربات من أكثر الأحداث المُنتظرة والمُحتفل بها في التقويم اليوناني القديم، وأُقيمت خلال المهرجانات الموسمية لتكريم الآلهة وخلال الألعاب الأولمبية القديمة، وكان سباق العربات خطيرًا ويُعد منافسات عالية السرعة تُقام في الهواء الطلق في مسارات السباق سُميت بميدان سباق الخيل. وجُرَّت كل عربة ذات عجلتين بأربعة خيول، وتسابقت نحو 10 عربات في وقت واحد على المجد واصطدمت بعضها ببعض في أثناء عبورها المنعطفات الحادة.

صُنعت عربات جر الخيول من الخشب المقوّى بطبقة من البرونز، ووصلت إلى اليونان من الشرق الأدنى القديم عبر مصر وقبرص، واستخدمها الإغريق في المقام الأول للسباق لا لأغراض الحرب.

6- الدرع اليوناني: أسبيس

كان السلاح اليومي الأساسي لجنود الهوبلايت في الجيش اليوناني هو درع خشبي بسيط يُسمى أسبيس، واختُرع هذا الدرع المستدير في القرن الثامن قبل الميلاد. وانتشر مثل النار في الهشيم عبر البحر الأبيض المتوسط بسبب ابتكار غيَّر قواعد اللعبة، وهو إضافة قبضتان من الجلد للجزء الخلفي من الدرع، واحدة لتأمين المرفق والثانية لليد، ويشدد لوفانو أن الدروع اليونانية القديمة لم تُصنع بالكامل من المعدن كما لو كانت «أغطية حاويات القمامة القديمة».

يستمد الأسبيس قوته من صميم خشبي معزز بصفائح معدنية مثل البرونز أو الحديد، وكانت بعض الدروع مطعمة برؤوس «غورغون» ومناظر أخرى لتخويف العدو.

7- الحامل الثلاثي في المعابد

توجد اليوم الحوامل الثلاثية كأجهزة سهلة الاستخدام لحمل الكاميرات، لكن الحوامل ثلاثية الأرجل -طاولة- في اليونان القديمة أدّت دورًا مختلفًا ومقدسًا تمامًا، إذ اعتقد الإغريق أن مصائرهم معلقة في أيدي الآلهة الذين وجب عليهم إرضاءها بتقديم القرابين والتضحيات في معابدهم، فيذكر لوفانو: «كان أبرز شيء داخل المعبد اليوناني هو حامل ثلاثي الأرجل مصنوع من البرونز أو الحديد. وضع الكاهن أو الكاهنة آنية طهو على الحامل ثلاثي الأرجل وأشعلوا النار تحته، ثُمَّ وضعا قرابين طقوس معينة في الآنية وغالبًا ما كانت القرابين الحبوب أو لحم الحيوانات أو الزيت أو النبيذ».

استُخدمت معظم الحوامل الثلاثية بوصفها أدوات طقوس يومية، لكن الحامل الثلاثي الأشهر وُجِدَ في معبد أبولو في دلفي موطن أوراكل دلفي، وهنا كان الحامل الثلاثي قاعدة عالية جلست عليها كاهنة عذراء مُفسرةً الرسائل الإلهية من أبولو.

8- لعبة استراغالواي

يقول لوفانو: «إن الإغريق أحبوا الرياضة والسباقات والألعاب التنافسية بجميع أنواعها بما في ذلك ألعاب الطاولة وألعاب الكرة، ولكن إحدى أكثر وسائل التسلية اليونانية شعبية للصغار والكبار كانت لعبة تُسمى استراغالواي أو عظام المفاصل». بدأ الإغريق باستخدام عظام مفاصل حقيقية من الحيوانات التي ضحوا بها، لكنهم لعبوا لاحقًا بالعظام الاصطناعية المصنوعة من الطين والبرونز والعاج وحتى الذهب والفضة بحسب ما يذكر لوفانو. وأبسط أنواع لعبة استراغالواي لعبها الأطفال، وكان أحدها مشابهًا للعبة جاكس إذ يرمي اللاعب خمس عظام في الهواء ليرى عدد العظام التي يمكنه التقاطها على ظهر يده. وفي نسخة أخرى، حاول الأطفال رمي أكبر عدد ممكن من العظام داخل مزهرية صغيرة أو داخل حفرة في الأرض.

استخدمت النساء اليونانيات العظام بوصفها أداةً لقراءة الطالع وخاصةً الشابات غير المتزوجات اللاتي يبحثن عن الحب، وكانت الرمية التي تهبط فيها العظام الخمسة في أوضاع مختلفة وتنذر خيرًا للشابات تُسمى «رمية أفروديت» إلهة الحب. أما الرجال فاستخدموا عظام المفاصل للمقامرة، وكان لكل جانب من عظمة المفصل قيمة عددية كما النرد ولكن على عكس النرد، فإن الرقم المتجه للأسفل هو الذي يُحسب.

اقرأ أيضًا:

سبع رياضات يمارسها الإغريق

يوليوس قيصر: ست طرق شكّل بها العالم

ترجمة: صفا روضان

تدقيق: غفران التميمي

مراجعة: هادية أحمد زكي

المصدر