تلسكوب جيمس ويب الفضائي، بتقنيته الفائقة، أكد نتائج التلسكوبات الأخرى حول مدى توسع الكون.

هذا الاكتشاف يضيف تعقيدًا للنقاشات العلمية بدلًا من تسويتها، ويبدو أن الأرقام الجديدة تتناقض مع التوقعات المبنية على بيانات الانفجار العظيم. ولكن، لا يعني أن علينا التخلي عن معارفنا الكونية، كما قد يُظن. بدلًا من ذلك، نحن أمام لغز مُحيّر يحتاج إلى حل.

فقد طوّر الفلكيون مجموعة من الأساليب لقياس سرعة توسع الكون، وهي قياسات حاسمة لفهم عمر الكون ومستقبله. في البداية، كانت القياسات تحمل هوامش خطأ كبيرة، وكانت النتائج مختلفة، ولكن ليس بصورةٍ مقلقة.

ومع التقدم التكنولوجي وزيادة المصادر المرصودة، استمرت الاختلافات في الظهور. وهكذا نشأ ما يُعرف بـ “توتر هابل”، وهو تعبير يشير إلى العلاقة بين سرعة ومسافة الأجسام البعيدة في الكون.

يمتلك تلسكوب جيمس ويب القدرة على قياس مسافات المجرات البعيدة بدقة لا مثيل لها. كان الأمل أن يُقدم تلسكوب ويب إجابات تُقرب النتائج المختلفة وتحل توتر هابل. لكن ما حدث تأكيد لنتائج التلسكوبات الأخرى.

هذا الاكتشاف يفتح الباب لأسئلة جديدة حول ما نعرفه عن الكون. هل هناك أسرار أخرى تخفيها النجوم والمجرات البعيدة؟ هل نحن على أعتاب فهم جديد للقوى التي تحكم الكون؟

إنها رحلة مستمرة في أعماق الفضاء، إذ كل اكتشاف يقودنا إلى مزيد من الأسرار.

تخيل أنك تحاول قراءة علامة بعيدة على حافة مجال رؤيتك. ماذا تقول العلامة؟

هذا ما يواجهه علماء الفلك عندما يحاولون فك ألغاز الكون حتى باستخدام أقوى التلسكوبات. ويصف البروفيسور آدم ريس، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2011، العملية بأنها محاولة لقراءة “علامة السرعة الكونية” التي تخبرنا بمدى سرعة توسع الكون؛ شيء يُعرف باسم ثابت هابل.

ريس يشرح أن العلامة مكتوبة في النجوم داخل المجرات البعيدة. وسطوع النجوم يكشف لنا مدى بعدها عنا، والمدة التي قطعها ضوؤها للوصول إلينا.

ويضيف، يُعلمنا الانزياح الأحمر لهذه المجرات عن مقدار توسع الكون خلال هذا الوقت، وبعده، معدل التوسع.

استخدم ريس في أبحاثه المستعرات العظمى من النوع Ia، التي يكون ذروة سطوعها ثابتًا جدًا، لكنه يتطلب الانتظار لظهور المستعر الأعظم المناسب. وبديلًا لذلك استخدام النجوم المتغيرة، التي تعد أكثر وفرة ويتغيّر سطوعها بمعدل يمكن التنبؤ به، ما يوفر أداة أخرى لقياس المسافات في الكون.

هذه النجوم المتغيرة كانت المفتاح الذي كشف عن حجم الكون الهائل، مُظهرةً أن المجرّات البعيدة تقع في أعماق الفضاء، بعيدًا عن درب التبانة. عَمَل ريس وغيره من علماء الفلك يُضيء الطريق في رحلتنا لاكتشاف أسرار الكون المحيرة والمذهلة.

ومع ذلك، لا تكون النجوم المتغيرة مشرقة مثل المستعرات العظمى، لذا لا يمكن رؤيتها في المجرات الأكثر بعدًا. على الرغم من بعدها مئات الملايين من السنين الضوئية، فإنه يمكنها معايرة قياسات المستعر الأعظم، ما يوفر دقة إضافية، ولكن فقط إذا استطعنا التمييز بينها وبين النجوم العادية القريبة.

تلسكوب جيمس ويب الفضائي، بتقنيته الرائدة، يعمل على أطوال موجية تجعل من قياس المسافات الكونية أمرًا أكثر سهولة مقارنةً بتلسكوب هابل. استغل البروفيسور ريس وفريقه هذه الميزة لرصد أكثر من 320 نجمًا متغيرًا، بعضها في المجرة القريبة NGC 4258 وأخرى في NGC 5584، التي شهدت انفجار مستعر أعظم حديثًا.

نتائج قياساتهم كشفت عن مفاجأة: التلسكوب هابل كان دقيقًا ومثيرًا للإعجاب في رصدِ هذه المجرات، ولكن ما وجده تلسكوب فضاء هابل وجيمس ويب كان مغايرًا للتوقعات التي استندت إلى معطيات الخلفية الميكروويفية الكونية.

تبقى معضلة هابل دون حل حتى الآن. ويعتقد ريس أن هذا التوتر قد يكون مؤشرًا على وجود جوانب مجهولة في فهمنا للكون.

يُرجح أنه قد يدل على طاقة مظلمة غريبة، أو مادة مظلمة غير مألوفة، أو تعديل في فهمنا للجاذبية، أو حتى وجود جسيمات أو حقول غير معروفة. إن الطاقة المظلمة والمادة المظلمة، التي تشكل لغزًا بحد ذاتها، تزيد القصة تعقيدًا.

وكما قال شكسبير قبل أربعة قرون، لا يزال كلامه صحيحًا: هناك أكثر بكثير في السماء والأرض مما يمكن تخيله في أيٍّ فلسفةٍ، بما في ذلك فلسفة هوراشيو.

إن رحلتنا لاكتشافِ أسرار الكون مستمرة، وكل اكتشاف جديد يفتح الباب لمزيد من الألغاز والإثارة.

اقرأ أيضًا:

تلسكوب جيمس ويب الفضائي يكشف أخيرًا كيف اكتسبت الكواكب شكلها

تلسكوب جيمس ويب يكتشف اثنتين من أبعد المجرات التي رُصدت على الإطلاق

ترجمة: محمد حسام

تدقيق: غُفران التميمي

المصدر