يعاني بعض الناس من عدم تناسب تأثرهم (التعبير الخارجي عن المشاعر الداخلية) مع الوضع الذي هم فيه، يعرف هذا بعدم التلاؤم وله مجموعة متنوعة من الأسباب.

يشمل التأثر مجموعة من التجارب العاطفية، التي غالبًا ما توصف بأنها إيجابية أو سلبية، وتشمل كلًا من الحالات المزاجية والعواطف.

يشهد معظم الناس تطابقًا بين العاطفة والظروف الخارجية، فلدى وفاة صديق مثلًا، ستكون ردة الفعل الحزن والبكاء. أما إذا كان شخص ما يبتسم في أثناء مأساة، أو لا يُظهر مشاعره عندما يكون ذلك متوقعًا، فمن الممكن أنه يعاني من عدم التلاؤم.

يتناول هذا المقال نظرة على الأعراض والأسباب والتشخيص والتكيف والعلاج.

ماذا يعني عدم التلاؤم؟

يشمل المصطلح العام لعدم التلاؤم كل من العواطف والتصرفات والسلوكيات التي تبدو في غير محلها في موقف ما، وبالتبسيط هو إظهار الشخص لردود أفعال لا تتوافق مع الموقف أو ربما حتى مع حالته الداخلية.

قد يكون عدم التلاؤم أحد الأعراض لحالة مرضية جسدية أو نفسية، ولكنه قد يكون أيضًا اضطرابًا بحد ذاته. وقد أدرك الأطباء النفسيون وغيرهم من المتخصصين أن عدم التلاؤم يمثل مشكلة بين المرضى منذ أكثر من قرن، وأبلغوا عن حالات من الضحك أو الدموع دون أي سبب.

في عام 1909 أشار سترانسكي إلى الترنح الداخلي في أثناء دراسته لما نعرفه اليوم باسم الفصام، ووصفها بأنها حالة اضطراب بين الأفكار والعاطفة. وفي عام 1950، لاحظ بلولر أن الإنذار السريري لمرضى الفصام الذين يُبدون عدم تلاؤم أضعف بكثير من مرضى الفصام الآخرين.

أسباب عدم التلاؤم:

تضم الأسباب المحتملة لعدم التلاؤم الفئات التالية:

 تلف الدماغ أو الخلل العصبي:

قد ينجم عدم التلاؤم عن الضرر المباشر للدماغ، مثل الذي يحدث بسبب ورم في الدماغ، وتلف الدماغ، والخرف، وصدمات الرأس.

عندما يكون عدم التلاؤم ناتجًا عن مشكلة بنيوية في الدماغ، فإن المناطق المعنية عادةً تشمل الجهاز الحوفي، والقشرة الحزامية الأمامية، وقشرة الفص الجبهي.

 الفصام والاضطرابات الذهانية الأخرى:

تُعد الاضطرابات النفسية السبب الرئيسي الثاني لعدم التلاؤم، وتتضمن: اكتئاب الفصام، والاضطراب ثنائي القطب، والاضطراب الفصامي العاطفي، واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).

غالبًا لا يفقد هؤلاء الأفراد القدرة على ردود الفعل العاطفية، ولكن يبدو أنهم يفقدون القدرة على حدوثها بطريقة طبيعية ومتوقعة، وذلك لأن تأثرهم هو رد فعل على هلاوسهم أو أوهامهم وافتراضاتهم حول أسباب تصرفات الآخرين. بدلًا من ذلك، قد يكون لديهم ردود أفعال غريبة لا تبدو منطقية للمراقب الخارجي، وبهذه الطريقة يظهرون انفعالات وسلوكيات لا تبدو منسجمة مع حقيقة الموقف، لكنهم في الواقع متسقون مع تجربتهم الداخلية للوضع.

 أدوية لعلاج الاضطرابات النفسية:

وفقًا لدراسة نشرت في المجلة الدولية للاضطرابات ثنائية القطب، قد يحدث التبلد العاطفي أيضًا بسبب بعض الأدوية المستخدمة لعلاج الفصام والاضطرابات الذهانية الأخرى.

لكن لدى الشك بأن الدواء يسبب تلبدًا عاطفيًا، يجب عدم إيقاف العلاج قبل التحدث مع الطبيب أولًا، إذ يستطيع تغيير الدواء أو تخفيض جرعته. أما التوقف المفاجئ قد يؤدي إلى عودة أعراض الاكتئاب أو يؤدي إلى تأثير معاكس، ويتضمن ذلك القلق والأرق.

 عوامل نفسية:

قد توجد أيضًا أسباب أخرى لعدم التلاؤم لا تتعلق بتلف الدماغ أو الاضطراب العقلي. وفي معظم هذه الحالات يكون الشخص قادرًا على الاستجابة الطبيعية، لكنه لا يفعل ذلك لسبب ما. فمثلًا، قد يضحك الشخص الذي يخضع للعلاج في أثناء وصف موقف صعب ليتمكن من التحكم بعواطفه بطريقة وقائية ذاتية.

تشخيص عدم التلاؤم:

لدى الشك بعدم التلاؤم من المهم الحصول على تشخيص من مختص صحة عقلية مرخص. والخطوة الأولى عمومًا هي استبعاد أي حالة جسدية أو عصبية تسبب عدم التلاؤم.

قد يلجأ مختص الصحة العقلية إلى فحص الحالة العقلية، وهي طريقة منظمة لمراقبة الوظيفة النفسية وتقييمها من منظور المواقف والسلوك والإدراك والحكم والمزاج وعمليات التفكير.

غالبًا ما يكون عدم التلاؤم أحد أعراض اضطراب آخر وليس متلازمة بحد ذاتها، لذلك يلجأ الأطباء إلى تقييم الاضطرابات العقلية التي قد تكون سببًا محتملًا، بالإضافة إلى شدة الأعراض.

أعراض عدم التلاؤم:

تعتمد الأعراض النوعية لعدم التلاؤم على السبب الرئيسي، وتظهر من حيث تعبيرات الوجه ونبرة الصوت ومحتوى ما يقوله المريض. ومن الأعراض المحتملة البكاء الذي لا يمكن التحكم به حتى في حالة عدم الشعور بالحزن، وردود الأفعال غير المناسبة وعواطف لا تتناسب مع الحالة، كإظهار الفرح في أثناء المآسي، والغضب دون أي استفزاز خارجي. إضافةً إلى عدم إظهار ردود فعل عاطفية متوقعة، أكثر من كبح المشاعر ببساطة. وتعتمد الأعراض الأخرى النوعية على السبب الكامن وراء عدم التلاؤم.

أنواع عدم التأثر:

بالإضافة إلى الأعراض العامة توجد بعض الفئات المحددة لتصنيف الأعراض ضمنها.

 ضعف التأثر:

يعد ضعف التأثر أحد الأعراض الشائعة لمرض انفصام الشخصية والاضطرابات ذات الصلة، ويشير إلى انخفاض مستوى شدة التعبير العاطفي. فالشخص ضعيف التأثر لا يظهر إلا القليل من المشاعر حتى في المواقف العاطفية.

فمثلًا، قد يروي الشخص الذي يعاني ضعف التأثر قصة تعرضه لحادث سيارة، ولكنه لا يتحدث كثيرًا عما شعر به، ويتحدث بصوت رتيب، ولا يظهر الكثير من تعبيرات الوجه.

 التأثر المحدود:

التأثر المحدود هو انخفاض في النطاق التعبيري للفرد. أي إن الشخص الذي يصف حادث السيارة قد يظهر بعض المشاعر والانفعالات، ولكنها أقل المتوقع مقارنةً بمحتوى ما يقال.

 التأثر السطحي:

يشير التأثر السطحي إلى عدم إظهار أي مشاعر أو عواطف على الإطلاق بغض النظر عن الظروف. وهذا أقل من ضعف التأثر لأنه خالٍ تمامًا من التعبير العاطفي.

 التأثر الضحل:

التأثر الضحل له معنى مشابه لضعف التأثر، ولكنه غالبًا ما يستخدم لوصف التجربة العاطفية للأشخاص المصابين بالاعتلال النفسي. لن يشعر الشخص ذو التأثر الضحل إلا بالقليل من المشاعر تجاه المواقف التي من المتوقع أن تثير مشاعر محددة.

وهذا يعني أن الأشياء التي تجعل معظم الناس يشعرون بمشاعر سلبية ليس لها نفس التأثير في المعتلين النفسيين. فمثلًا، عندما صدر الحكم بالإعدام على القاتل المتسلسل الأمريكي ريتشارد راميريز أجاب ساخرًا: «يا لأهمية الأمر! لطالما رافق الموت المكان. أراكم في ديزني لاند».

علاج عدم التلاؤم:

يعتمد علاج عدم التلاؤم على السبب الكامن وراءه، ولهذا السبب من المهم جدًا زيارة مختص الرعاية الصحية لدى المعاناة مع هذه الأنواع من الأعراض، للحصول على التشخيص الدقيق.

تعالج معظم أنواع عدم التلاؤم باستخدام بعض الأدوية اعتمادًا على شدة الأعراض، ومنها مضادات الذهان (في حالة الفصام أو الذهان)، ومضادات الاكتئاب أو مثبتات المزاج (في حالة اضطرابات المزاج أو المشكلات ذات الصلة). وقد اعتمدت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية دواءً لعلاج التأثير البصلي الكاذب، وهو مزيج من الدكستروميثورفان والكينيدين.

إذا استخدم العلاج النفسي، فعادة ما يكون بمثابة إضافة إلى الدواء، لأن العلاج النفسي وحده في كثير من الأحيان لا يساعد على علاج المشكلة.

مساعدة شخص يعاني حالة عدم التلاؤم:

قد يكون الأمر صعبًا على من يعتني بشخص يعاني حالة عدم التلاؤم، إذ قد يتفاعل سلبيًا أو بطريقة دفاعية مع سلوكيات المريض ما يؤدي إلى تفاقم الوضع، وقد يرتبك أيضًا بسبب هذه السلوكيات ولا يعرف كيفية الرد.

ولتجنب ذلك يُنصح بما يلي:

  •  من المهم أن يأخذ مقدم الرعاية وقتًا للحصول على المساعدة لنفسه أيضًا.
  •  قد تكون مجموعات الدعم أو الطرق الأخرى للتواصل مع أشخاص آخرين يمرون بنفس المشكلات مفيدة.
  •  العلاج النفسي أو العلاج بالكلام، ليتعلم كيفية إدارة الموقف واحتياجاته وعواطفه.

الحياة مع عدم التلاؤم:

إذا كان المرء يشعر بمشاعر غير ملائمة، من الصعب معرفة كيفية التعامل معها. وفيما يلي بعض الاقتراحات حول طرق تقليل تأثير عدم التلاؤم على الحياة:

 طلب المساعدة المتخصصة:

زيارة مختص الرعاية الصحية لتحديد السبب الكامن وراء عدم التلاؤم قد يصل إلى التوصية بالعلاج المناسب للحالة.

 اللجوء إلى الأصدقاء والعائلة:

قد يكون من المفيد مشاركة ذلك مع الأشخاص المقربين حتى يتمكنوا من فهم ما يحدث بطريقة أفضل.

 طلب الدعم الاجتماعي:

إذا كان المرء مصابًا بالفصام أو حالة أخرى ذات صلة، فمن المهم طلب الدعم الاجتماعي، مثل مجموعة دعم للفصام أو اضطراب ما بعد الصدمة.

 السيطرة على التوتر:

وفقًا لدراسة في طب القلب والأوعية الدموية والطب النفسي والأعصاب، فإن الحد من التوتر اليومي والاكتئاب قد يساعد على تقليل عدم التلاؤم. ولإدارة التوتر وتحقيق التوازن في الحالة المزاجية، يُنصح بممارسة التمارين الرياضية بانتظام، وإعطاء الأولوية للنوم، وتجنب استهلاك الكحول، وتناول الأطعمة الصحية.

اقرأ أيضًا:

الفصام: الأعراض والأسباب والعلاج

هل يعاني الشخص الذي تحبه قلقًا أو اكتئابًا شديدًا؟ ومتى تطلب المساعدة؟

ترجمة: تيماء الخطيب

تدقيق: محمد حسان عجك

المصدر