العلاقة بين الموسيقى والذاكرة

تعد العلاقة بين الموسيقى والذاكرة قوية؛ لأن الموسيقى تحيي مشاعر قوية وتستحضر ذكريات ماضية. فعندما نستمع إلى مقطوعة تعود إلى فترة مضت، يبدو الأمر كأننا عدنا إلى تلك الفترة، ونشعر بكل ما اختلج في نفوسنا وقتها، كأننا نعيش تلك اللحظة مرة أخرى.

تُقسَم الذاكرة طويلة الأمد إلى نوعين مستقلين: الذاكرة الصريحة والذاكرة الضمنية. تمثل الذاكرة الصريحة استحضارًا واعيًا ومدروسًا للماضي، وتنخرط في أنشطة مثل تعلم الكتب المدرسية أو الذكريات التجريبية، وهي أمور لا تتبادر إلى الذهن إلا بصورة واعية. أما الذاكرة الضمنية فتكون عفوية وغير واعية، مثل العزف على آلة موسيقية أو تذكر أغنية لأن شخصًا كان يردد كلماتها الأولى، وتأخذ الذاكرة حيزًا كبيرًا من العقل الباطن.

تتلاشى الذاكرة الصريحة عند عدم استرجاعها، ويتعطل نظام الذاكرة الصريحة في حالات معينة مثل الإصابة بألزهايمر. بينما تكون الذاكرة الضمنية أكثر استمرارية وقد تدوم عمرًا، حتى عند عدم استخدامها بصورة متكررة.

يمكن أن تتشكل الذاكرة الكامنة عبر الاستماع المتكرر إلى الموسيقى الخلفية (التصويرية)، حتى أننا قد نفضل نوعًا موسيقيًا على آخر -فقط- لأنه النوع الذي يعزف باستمرار في الخلفية، وتعرف هذه الظاهرة النفسية باسم: «أثر التعرض البسيط»؛ ٦ي أن الناس يميلون أكثر إلى تفضيل ما هو مألوف، وتدرك شركات العقود الكبيرة أن البث الإذاعي المتكرر هو السبيل إلى تحقيق مبيعات كبيرة.

تعد الذاكرة الضمنية شكلًا من أشكال الاشتراط الكلاسيكي، وفيها تتشكل صلة بين حدث وأغنية وشعور، فعندما تقترن مقطوعة موسيقية مع حدث عاطفي جدًا، قد تصبح إشارةً فعالة في استعادة المشاعر القوية التي اختلجت في نفس المستمع حينها، مثلًا، غالبًا ما ترتبط أغنية «شمعة في مهب الريح» للمغني ايلتون جون بالملكة ديانا لأنه غناها في جنازتها.

غالبًا، ترتبط الذكريات المستعادة بفترات زمنية محددة من حياتنا بواسطة الموسيقى، ويميل أغلب الناس إلى استعادة ذكريات تنتمي إلى مرحلة عمرية تتراوح بين العاشرة والثلاثين من العمر، ويُطلق على هذه المرحلة العمرية اسم: «صدمة الذكرى»، وترتبط الموسيقى في هذه المرحلة العمرية بالذكريات أكثر من غيرها من المراحل العمرية الأخرى، وتكون سنوات المراهقة والعشرينيات خاصةً مهمة وممتعة، حيث نجرب فيها الأشياء للمرة الأولى، حتى أن ذوقنا الموسيقي يتشكل في غضون سنوات المراهقة.

تمثل الموسيقى واحدة من الوسائل القليلة التي تمكن من دراسة دماغ مرضى ألزهايمر، فعبر الإنصات إلى الموسيقى التي استمعوا إليها في شبابهم، يستطيع مرضى الخرف استعادة بعض ذكرياتهم بوضوح، ورغم فقدان الذاكرة الكبير ونسيان هويتهم، يُبدون ذاكرة موسيقية مميزة، وتبين الأبحاث أن الموسيقى المختارة من قِبَل الأفراد يمكنها إثارة ذكريات إيجابية غير قابلة للاستعادة في ظروف أخرى.

الخلاصة:

تساعد الموسيقى على استرجاع ذكريات غير مرتبطة بها، وتحفز التواصل لدى البالغين من مرضى ألزهايمر، مع أن استرجاع الذكريات ليس سهلًا، لأنها لا تحضر بسهولة عندما نريدها. من جهة أخرى، تساعدنا الموسيقى على تذكر الأحداث المرتبطة في رؤوسنا بأغنية ما، فالاستماع إلى الموسيقى التي تكرر سماعها في خلفية حدث حياتي هام كالزفاف أو الجنازة قد يكون تجربة شعورية مفعمة بالحنين.

اقرأ أيضًا:

لماذا نستمتع أكثر بالاستماع إلى موسيقا الأغاني القديمة؟

عشر فوائد يعود بها الغناء على صحتك

ترجمة: حيدر بوبو

تدقيق: حسين جرود

المصدر