طوّر الأطباء في كلّية ستانفورد للطب طريقة لتأمين زرع كلية للأطفال دون الحاجة إلى استخدام مثبطات المناعة؛ يكمن سر هذه الطريقة في زرع خلايا مناعية من جسم المتبرع للمتلقي بطريقة آمنة قبل أن يزرع الجراحون الكلية.

أطلق الفريق الطبي على دمج عمليتي الزرع اسم «عملية الزرع الثنائية مناعة/عضو» أو «DISOT».

شرحت ورقة علمية الحالات الثلاث الأولى لهذه الزراعة التي أجريت جميعها في مستشفى ستانفورد للأطفال لوسيل باكارد، ونُشرت هذه الورقة على الإنترنت في مجلة إنجلترا الطبية الحديثة في 15 من يونيو، ونشرت المجلة افتتاحية حول هذا البحث.

نفى ابتكار ستانفورد احتمالية أن يعاني المتلقي رفضًا مناعيًا للعضو المزروع، إذ يعد رفض العضو أكثر الأسباب شيوعًا لإجراء جراحة ثانية، فقد خلص هذا الإجراء الحديث المتلقي من الآثار الجانبية الكبيرة لأدوية مثبطات المناعة مدى الحياة، المتضمنة ازدياد خطورة الإصابة بالسرطان والسكري والعدوى وارتفاع ضغط الدم.

صرحت الكاتبة الرئيسية للتقرير الدكتورة البروفيسورة أليس بيرتينا: «أصبح تحرير المرضى بأمان من التثبيط المناعي مدى الحياة بعد عملية زراعة الكلية ممكنًا».

كاتب التقرير الأعلى مرتبةً منها هو ديفيد لويس، دكتور وبروفيسور طب الأطفال بجامعة ستانفورد.

كان الأطفال الثلاثة الذين خضعوا لهذه الزراعة يعانون أمراضًا مناعية نادرة، لكن الفريق يعمل على توسيع عدد المرضى الذين قد يستفيدون من هذه الزراعة.

هذا ووافقت إدارة الغذاء والدواء على هذا البروتوكول في 27 من مايو من عام 2022 لعلاج مرضى الحالات الصحية المتنوعة التي تؤذي الكلية.

تتوقع بيرتينا أن هذا البروتوكول في النهاية سيتوفر لعدد كبير ممن يحتاجون زرع كلية، بداية عند الأطفال والشباب، ليشمل لاحقًا كبار السن، ويخطط الباحثون أيضًا للتحقيق في فعالية عملية الزرع مع المتلقين من أجل عمليات زرع الأعضاء الأخرى.

إن لهذا الابتكار العلمي لفريق بيرتينا فوائد مهمة إضافية، فهو يؤمن عملية نقل آمنة بين المتلقي والمتبرع ذوي الأجهزة المناعية المتطابقة جينيًا جزئيًا، وبدوره يعني أن الأطفال يمكنهم تلقي الخلايا الجذعية والكلية من أحد الوالدين.

يعني هذا التقدم كثيرًا خاصًا لجيسيكا وكايل دايفن بورت من مسل شولس في ألاباما، فقد ولد طفلاهما وهما يعانيان أمراضًا مناعية نادرة يحتمل أن تكون مميتة، وكانا أول متلقيين لهذه الزراعة، إذ تلقى كروز ذو 8 سنوات عملية زراعة من جيسيكا، بينما تلقت أخته بيزلي ذات 7 سنوات عملية زراعة من كايل.
قالت جيسيكا دايفن بورت: «لقد استعادا عافيتهما، وهما الآن ينجزان نشاطات لم نتوقع أنهما قد يستطيعان فعلها».

بعد سنوات من مساعدة كروز وبيزلي في التغلب على نقص المناعة الشديد، وخطورة الإصابة بالعدوى بنسبة كبيرة، والديال الدموي، تأثرت جيسيكا وزوجها كثيرًا بقدرة أطفالهم على عيش حياة طبيعية.

التحدي التاريخي

كانت فكرة زرع الخلايا المناعية من المتبرع للمريض المتلقي للعضو تراود الباحثين منذ زمن، لكن تحقيقها لم يكن سهلًا.

يؤمن زرع الخلايا الجذعية من نقي العظام للمريض جهازًا مناعيًا جديدًا جينيًا، وذلك لأن بعض الخلايا الجذعية تنضج متحولة إلى خلايا مناعية في الدم.

ظهرت أولى التطورات عند مرضى سرطان الدم، وقد شكلت الخلايا الجذعية المزروعة خطرًا تمثل في مهاجمة الخلايا الجذعية الجديدة لجسد المتلقي، وسميت هذه المضاعفة مرض الطعم ضد الثوي GVHD، وقد تكون مميتة إن كانت شديدة.

طبق باحثون يعملون مع مرضى بالغين، من ضمنهم فريق من جامعة ستانفورد زراعة تسلسل خلايا جذعية وكلية من متبرعين أحياء، وعندما يكون التطابق مع المتبرع جزئيًا، يكون نجاح العملية جزئيًا، لكن المرضى كانوا إما غير قادرين على الاستمرار في إيقاف أدوية مثبطات المناعة بعد الزراعة، أو في تجارب سريرية أخرى لم تُجرّب في ستانفورد تطور لديهم مرض الطعم ضد الثوي الشديد مع خطورة عالية.

لقد قدم فريق ستانفورد لطب الأطفال تحسينات نتج عنها تحسن ملحوظ في نجاح الدمج بين عمليتي الزرع مع مخاطر أقل بكثير، وهذا الابتكار العلمي هو التغيير في كيفية معالجة الخلايا الجذعية للمتبرع.

بعد إزالة الخلايا الجذعية من جسد المانح، يستنفد المختصون الخلايا التائية ألفا وبيتا، لتؤدي إزالة هذه الخلايا إلى إزالة أنماط الخلايا المناعية المسببة لمرض الطعم ضد الثوي.

أظهر فريق برتينا أن تقنية استنفاد الخلايا التائية ألفا وبيتا، التي طورتها في إيطاليا قبل قدومها إلى ستانفورد، هي ما جعل عملية زراعة الخلايا الجذعية أكثر أمانًا، ما يسمح بزرع الأنماط المناعية المتطابقة جينيًا جزئيًا.

يُعد هذا البروتوكول لطيفًا نسبيًا، فهو آمن للأطفال الذين يعانون أمراضًا مناعية أو هشاشة طبية تجعل خضوعهم لزراعة الخلايا الجذعية التقليدية أمرًاصعبًا.

تتعافى الخلايا التائية ألفا وبيتا عند المريض بعد 60 أو 90 يومًا، لتستعيد وظائفها المناعية كاملة.

عندما اهتم أطباء ستانفورد بصحة الأطفال الذين يعانون أمراضًا مناعية نادرة للغاية تسمى متلازمة شيمكي، اكتشفوا أنهم يستطيعون تحقيق حاجات المرضى عبر تطبيق مجموعة من الخطوات الإضافية.

قالت بيرتينا: «تشمل أمراض متلازمة شيمكي أمراض كلى مزمنة تتطلب في النهاية زرع كلية».

تسبب متلازمة شيمكي، أيضًا فشلًا في نقي العظام، ما يعني حاجة المريض لزرع خلايا جذعية لتأمين نظام مناعي جديد صحي.

قالت بيرتينا أيضًا: «هؤلاء كانوا مرضى نادرين اضطررنا أن نجري لهم زرع خلايا جذعية وزرع كلى».

رواد الطب:

تلقى كل طفل من الأطفال الثلاثة في التقرير العلمي عملية زرع خلايا جذعية من أحد الوالدين، تضمنت عملية استنفاد الخلايا التائية ألفا وبيتا، وبعد 5 إلى 10 أشهر من التعافي من عملية زرع الخلايا الجذعية، تلقى كل طفل كلية من نفس الوالد الذي تلقى منه الخلايا الجذعية.

قد طور أحد المرضى مرض طعم ضد الثوي بنوبة خفيفة أثرت في الجلد، لكنها عُولجت بالأدوية.

وصف الأطباء بعد عملية زرع الكلية أدوية مثبطة للمناعة لطفلين ممن خضعوا لهذه العملية مدة 30 يومًا، وأوقف بعدها العلاج، أما المريض الثالث فقد اختبر تأثيرات جانبيةً قصيرة الأمد من التثبيط المناعي تضمنت ارتفاع سكر الدم، أوقفت في هذه الحالة مثبطات المناعة في وقت أبكر من المريضين الآخرين.

تخلص المرضى الثلاثة من أمراضهم المناعية ويعيشون منذ ذلك الوقت مع وظائف كلوية كاملة عبر الكلى التي تقبلها جسدهم، وذلك مدة 22 إلى 34 شهر.

قالت بيرتينا: «أنهم يفعلون كل شيء، فهم يذهبون إلى المدرسة ويذهبون في إجازات، ويمارسون التمارين الرياضية أيضًا، إنهم يعيشون حياة طبيعية».

قالت جيسسكا ديفن بورت: «إن كروز وبيزلي اللذين أكملا الجزء الأول من التجارب متحمسان لهذا الصيف ودروس السباحة والتخييم والرحلات العائلية بمقطورة التخييم، وكل هذه النشاطات التي لم يكن ممكنًا إنجازها قبل عملية الزرع، إنهما يعيشان معجزة، من الرائع أنهما يمهدان الطريق للعائلات الأخرى كي تختبر نفس التجربة».

يعمل الفريق الآن على توسيع البروتوكول ليشمل أنماطًا أخرى من المرضى، من ضمنهم الأطفال الذين أجروا زرع كلية أولية رفضتها أجسادهم، وهم يشكلون نصف الأطفال الذين تلقوا عملية زرع كلية.

يصبح جهاز المناعة في هذه الحالات حساسًا للغاية، ومن المرجح أن يهاجم الكلية المزروعة الثانية، لذلك ستكون عملية استبدال الخلايا المناعية قبل عملية زرع الكلية فعالة.

تضيف بيرتينا: «شملت موافقة إدارة الغذاء والدواء أمراضًا عديدة تسبب ضررًا أو تلفًا للكلية، بما فيها متلازمة شيمكي، والذئبة الجهازية، وفشل عملية زرع الكلية السابقة. إن لم تعالج مشكلة الجهاز المناعي في هذه الحالات قبل عملية الزرع، سيرفض الجهاز المناعي الكلية المزروعة حديثًا، وتعد عملية الزراعة الثنائية مناعة/ عضو حلًا بديلًا يساعد حالات مرضى المناعة، ويسمح ببقاء الكلية المزروعة حديثًا بصحة جيدة. سيتاح مستقبلًا للبالغين الذين رفضت أجسادهم عملية زرع الكلية الأولى، أو يعانون أمراضًا مناعية تهاجم الكلى إجراء عملية الزراعة الثنائية مناعة/ عضو».

يخطط الفريق أيضًا للبحث عن كيفية لتطبيق هذا الابتكار على عمليات زرع الأعضاء الأخرى، من ضمنها عمليات زرع الأعضاء من متبرعين متوفين.

تقول بيرتينا: «مع أن هذا يعد تحديًا إلا أنه ليس مستحيلًا، نحتاج إلى 3 أو 5 سنوات من البحث لتحقيق نتائج جيدة».

اقرأ أيضًا:

لأول مرة.. زرع كلية خنزير في جسم بشري

اختلاطات زرع الكلية وتدبيرها

ترجمة: جوليا كاملة

تدقيق: سمية بن لكحل

المصدر