أحد الاكتشافات العلمية المذهلة في العقود الأخيرة هي أن الفيزياء تظهر كأنها مضبوطة بدقة لتناسب الحياة. يعني ذلك أنه من أجل أن تكون الحياة ممكنة، كان يجب أن تكون بعض الأرقام في الفيزياء ضمن نطاق ضيق جدًا. أحد الأمثلة على الضبط الدقيق الذي حير العلماء هو قوة الطاقة المظلمة، وهي القوة التي تدفع التمدد المتسارع للكون.

إذا كانت هذه القوة أقوى قليلًا، لم يكن بإمكان المادة أن تتجمع معًا. لن يتجمع جسيمان مع جسيم آخر، ما يعني عدم وجود نجوم أو كواكب أو أي نوع من التعقيد الهيكلي، ومن ثم لا وجود للحياة.

لو كانت هذه القوة أضعف كثيرًا، لم تكن ستقاوم الجاذبية. هذا يعني أن الكون كان سينهار على نفسه في اللحظة الأولى، ما يعني مجددًا عدم وجود نجوم أو كواكب أو حياة. للسماح بإمكانية وجود الحياة، كان يجب أن تكون قوة الطاقة المظلمة «مناسبة تمامًا».

التفسير الأشهر للضبط الدقيق هو أننا نعيش في كون واحد من بين أكوان متعددة.

إذا اشترى عدد كبير من الأشخاص تذاكر اليانصيب، فمن المحتمل أن يوجد شخص ما لديه الأرقام الصحيحة للفوز. بالمثل، إذا كان يوجد عدد كبير من العوالم، مع أرقام مختلفة في الفيزياء الخاصة بها، يصبح وجود كون يحمل الأرقام الصحيحة للحياة أمرًا مرجحًا.

لفترة طويلة، كان هذا يبدو لنا التفسير الأكثر احتمالًا للضبط الدقيق. مع ذلك، يرى بعض علماء الرياضيات أن تفسير الضبط الدقيق بوجود أكون متعددة غير منطقي. وهو ما يعرضه كتاب فيليب جوف الجديد، وهو أستاذ مشارك في الفلسفة بجامعة دورهام، تحت عنوان «لماذا؟ ما الهدف من الكون؟».

تحديدًا، يُتهم مؤيدو نظرية الأكوان المتعددة بارتكاب ما يُسمى خطأ الرهان العكسي للمقامر.

لنفترض أن «بيتي» هي الشخص الوحيد الذي يلعب في قاعة البينغو المحلية في ليلة ما، وبسبب حظها الرائع، تظهر جميع أرقامها من المحاولة الأولى. تفكر بيتي: «رائع! لا بد أن العديد من الأشخاص يلعبون البينغو في قاعات أخرى الليلة!»

تفترض بيتي أنه نظرًا إلى وجود الكثير من الأشخاص يلعبون في جميع أنحاء البلاد، فليس مستبعدًا أن يحدث لشخص ما أن تظهر جميع أرقامه في الدقيقة الأولى.

ذلك مثال على خطأ الرهان العكسي للمقامر. بصرف النظر عن عدد الأشخاص الذين يلعبون -أو لا يلعبون- في قاعات البينغو الأخرى في العالم، لا ترجح نظرية الاحتمالات أن يحدث لبيتي نفسها مثل هذا الحظ.

هذا مشابه للعب النرد. إذا حصلنا على العديد من الرقم ستة على التوالي، نفترض خطأً أنه من غير المرجح أن نحصل على رقم ستة في الرميات التالية. وإذا لم نحصل على أي رقم ستة لفترة، نفترض أيضًا أنه قد كان هناك الكثير من الرقم ستة في الماضي.

لكن في الواقع، لكل رمية فرصة محددة ومتساوية –تبلغ واحد من ستة- للحصول على أحد الأرقام.

يُتهم مؤيدو نظرية الأكوان المتعددة بارتكاب الخطأ ذاته، إذ يظنون: «كم يبلغ احتمال أن يكون لدينا كون يحمل الأرقام الصحيحة للحياة؟ لا بد من وجود العديد من الأكوان الأخرى مع الأرقام الخاطئة».

في هذا السياق، يدخل مؤيدو نظرية الأكوان المتعددة «مبدأ الإنثروبي»: لمّا كنا موجودين في هذا الكون، فبطبيعة الحال ليس بوسعنا أن نرصد كونًا لا يتوافق مع الحياة، لكن ذلك لا يعني أن مثل هذه العوالم غير موجودة.

لنفترض أن قناصًا مجنونًا يختبئ في الجزء الخلفي من قاعة البينغو، ينتظر ليطلق النار على بيتي في اللحظة التي يُعلن فيها رقم ليس على بطاقتها. الآن، تكون الحالة مشابهة لضبط الواقع: ليس بوسع بيتي أن ترصد شيئًا غير الأرقام الصحيحة للفوز، تمامًا كما لا نتمكن نحن من رصد كون يحمل الأرقام الخاطئة للحياة.

مع ذلك، ستكون بيتي مخطئة في استنتاج أن العديد من الأشخاص يلعبون البينغو. وبالمثل، يُعد مؤيدو نظرية الأكوان المتعددة مخطئين لاستنتاجهم وجود العديد من الأكوان نتيجة ملاحظة الضبط الدقيق.

لكن ماذا عن الأكوان المتعددة؟ هل حقًا لا يوجد دليل علمي على وجودها؟ الجواب هو نعم ولا، حتى وفقًا لكتاب جوف، الذي يذكر الارتباط بين خطأ الرهان العكسي للمقامر والحالة العلمية للأكوان المتعددة، وهو شيء من المفاجئ أن أحدًا لم يلاحظه من قبل.

تدعم نظرية التضخم الكوني فكرة الأكوان المتعددة، أي أن الكون المبكر قد تضخم تضخمًا هائلًا في الحجم. إذا كان يمكن للتضخم أن يحدث مرة واحدة، فإنه من المرجح أن يحدث في مناطق مختلفة من الفضاء، ما يخلق عوالم ذات طابع خاص لكل منها. قد يمثل ذلك دليلًا مؤقتًا على وجود بعض الأنواع من الأكوان المتعددة، لكن دون دليل على أن هذه الأكوان المختلفة تحمل أرقامًا مختلفة في الفيزياء المحلية لديها.

يوجد تفسير أعمق لخطأ نظرية الأكوان المتعددة. يتحكم التفكير الاحتمالي في مبدأ يُعرف بمتطلبات الدليل الكلي، الذي يلزمنا العمل باستخدام الأدلة الأكثر تحديدًا لدينا.

فيما يتعلق بالضبط الدقيق، تُعد أكثر الأدلة تحديدًا لدى مؤيدي الأكوان المتعددة ليس فقط وجود كون مضبوط بدقة، ولكن أن كوننا تحديدًا هو المضبوط بدقة. بافتراض أن ثوابت كوننا تشكلت عبر عمليات احتمالية، كما يقترح تفسير الأكوان المتعددة، فإنه من غير المحتمل أن يكون كوننا تحديدًا، من بين ملايين الأكوان الأخرى، مضبوطًا بدقة. عندما نصيغ الأدلة على نحو صحيح، تفشل النظرية في تفسيرها.

التفسير العلمي التقليدي يقول إن هذه الأرقام ظلت ثابتة منذ الانفجار الكبير. إذا كان ذلك صحيحًا، فلدينا احتمالان: إما أن يكون حظنا مذهلًا لأن كوننا حصل عشوائيًا على الأرقام الصحيحة، وإما أن تكون الأرقام كما هي بسبب أن الطبيعة تتطور أو تتوجه بطريقة ما إلى تطوير التعقيد والحياة نتيجة مبدأ غير مرئي أو مدمج.

يرى كتاب جوف أن الاحتمال الأول غير مرجح، ومن ثم فإن الاحتمال الثاني هو الأرجح، وهو ما يسميه نظرية الغرض الكوني، ويناقش آثاره على المعنى والغرض الإنساني.

ليس هذا هو العلم الذي كنا نتوقعه. يشبه ذلك قليلًا الوضع في القرن السادس عشر عندما بدأنا للمرة الأولى نكتشف أدلة على أننا لسنا في مركز الكون. وجد الكثيرون صعوبة في قبول أن الصورة التي اعتادوها للواقع لم تعد تفسر البيانات.

ربما نحن في نفس الوضع الآن مع الضبط الدقيق. قد نتفاجأ يومًا ما بأننا تجاهلنا لفترة طويلة ما كان موجودًا بوضوح، أن الكون يفضل وجود الحياة.

اقرأ أيضًا:

هل نعيش في ظل أكوان متعددة؟

لهذه الأسباب قد نكون في أكوان متعددة

ترجمة: حمداش رانية

تدقيق: باسل حميدي

المصدر