لعقدين من الزمن دأب الفلكيون على سبر غموض أشعة جاما عالية الطاقة وتتبع مصادرها، ومع التقدم المحرز في هذا الصدد ظل أحد تلك المصادر عصيًا على فهم العلماء، وهو ألمع مصدر لأشعة جاما في مجرة درب التبانة، إذ بدا أن مصدره نظام نجمي ثنائي على بعد 2740 سنة ضوئية، لكننا لم نرصد إلا نجمًا واحدًا من الثنائي المفترض. استطاع الفلكيون حديثًا حل لغز النجم الثاني المفقود ورصدوا ذلك النجم، بالعودة إلى بيانات أشعة جاما المجمعة في الفترة 2008 – 2018، ويشكل النجمان معًا أحد أغرب الأنظمة النجمية المرصودة على الإطلاق.

قال الفلكي لارس نيدير من معهد ألبرت أينشتين في هانوفر- ألمانيا: «سجل النظام النجمي الثنائي وقلبه المكون من نجم نيوتروني رقمًا قياسيًا جديدًا، اكتشفنا رقصة مجرية بين نجم ثقيل الوزن، تزيد كتلته قليلًا على كتلة شمسنا وآخر بوزن الريشة تبلغ كثافته ستة أضعاف النجم الأول، لا تزيد كتلته على 1% من كتلة الشمس، ويكمل الثنائي الغريب دورة كل 75 دقيقة، ما يجعله الثنائي الأسرع بين كل الأنظمة الثنائية المعروفة».

ظل الاعتقاد بأن مصدر إشعاعات جاما المرصودة من هذا النظام الثنائي هو نجم نابض بأشعة جاما منذ عام 2009. لاحقًا في العام 2014 أظهرت أشعة إكس والملاحظات البصرية لمصدر أشعة جاما نجمًا متغيرًا بمعدل دوران 75 دقيقة، كان ذلك هو النجم الأصغر، واعتقد العلماء حينها أن مدة 75 دقيقة متسقة مع مدة الدوران، وأن النجم الثاني هو مصدر أشعة جاما.

قال الفلكي كولين كلارك من مركز جودريل بانك للفيزياء الفلكية في جامعة مانشستر في بريطانيا: «ذهبت كل محاولات البحث عن النجم النيوتروني في هذا النظام الثنائي سدى»؛ إذ اعتقد أن النجم الثاني هو نجم نابض، وهو نوع من النجوم النيوترونية سريعة الدوران تصدر إشعاعات من أقطابها في أثناء دورانها، وتشبه تلك الإشعاعات أضواء منارة تشع ضوءًا للمراقب بنفس معدل دوران النجم، وتُعد النجوم النابضة بالموجات الراديوية شائعة، مع أن تلك النجوم النابضة بأشعة جاما معروفة أيضًا.

يتطلب تأكيد وجود نجم ثان إيجاد النبضات المتزامنة مع دورانه، لذلك سلك الفريق المسار الأصعب، بمعالجة بيانات أشعة جاما مجمعةً على مدار عقد كامل بواسطة تلسكوب LAT على متن تلسكوب ناسا الفضائي «فيرمي»، وبواسطة قوة المعالجة الحاسوبية التي شارك بها عشرات الألوف من أعضاء برنامج علوم المواطنين [email protected]، وجد العلماء ضالتهم التي كانت مثار استغراب على مدار أسبوعين، إذ يدور النجم النابض بسرعة رهيبة تبلغ أكثر من 500 مرة في الثانية، ما يضعه ضمن فئة نجوم الميللي ثانية -أي التي تدور في أجزاء من الثانية- وتتميز بسرعة دورانها الرهيبة، لكن حتى بالنسبة إلى هذه النجوم يُعد نجمنا (PSR J1653-0158) من بين الأسرع على الإطلاق، إضافةً إلى ذلك، يمتلك هذا النجم مجالًا مغناطيسيًا ضعيفًا للغاية، من بين أضعف ثلاثة نجوم نابضة مكتشفة حتى الآن فيما يتعلق بقوة المجال المغناطيسي.

لا يقل النجم المصاحب غرابةً بكتلته بالغة الصغر، ويعتقد الفريق أنه قزم أبيض من الهيليوم يعكف النجم النابض على التهامه تاركًا منه الفتات، ويعرف هذا النوع الثنائي من الأنظمة بالأرملة السوداء.

قال نيدير: «تدور بقايا القزم الأبيض الملتهَم حول النجم النابض في مسار يبلغ طوله 1.3 ضعف المسافة بين الأرض والقمر، في غضون 75 دقيقة فقط بسرعة 700 كيلومتر في الثانية، ويعتقد العلماء أن هذا الثنائي الغريب تولد من نظام ثنائي شديد التقارب كانت المادة فيه تتدفق من النجم المصاحب إلى النجم النابض، مراكمةً كتلة النجم النابض ومسببةً دورانه السريع، ومثبطةً مجاله المغناطيسي في ذات الوقت».

تمثيل للنظام في أسفل الصورة مقارنةً بالأرض والقمر في أعلى الصورة

تمثيل للنظام في أسفل الصورة مقارنةً بالأرض والقمر في أعلى الصورة

يدعم الفرضية المذكورة بحث الفريق عن الموجات الراديوية، إذ يفترض الباحثون أن الموجات الراديوية الصادرة عن النجم النابض -إن وُجدت- لن تُكتشف، ربما بسبب السحابة الكثيفة من المادة المنفصلة من النجم القزم المتآكل، في حين يمكن إشعاعات جاما أن تخترق تلك السحب، وفي كل الأحوال يُعد نجم (PSR J1653-0158) هو نجم الميلي ثانية الوحيد النابض الذي لا يصدر أي موجات راديوية يمكن التقاطها.

قال كلارك: «في الأنظمة الثنائية مثل النظام الذي نحن بصدده تُعرف النجوم النابضة بالأرامل السوداء، لأنها مثل العنكبوت التي تحمل نفس الاسم، تأكل شريكها لتبقى، إذ يُبخر النجم النابض شريكه بإشعاعاته ورياح جسيماته، ما يملأ النظام بالبلازما عصية الاختراق على أشعة الراديو».

ربما كان سبب غرابة نظام كهذا هو قصور التقنية، فأدوات مثل برنامج علوم المواطنين التي تستغل أوقات خمول الحواسيب المنزلية لتقوية الحواسيب الفائقة ربما تمكننا من استشراف عصر جديد من اكتشافات النجوم النابضة.

قال الفلكي بروس ألين من معهد ماكس بلانك للفيزياء ومدير ومؤسس مشروع برنامج علوم المواطنين: «أراهن على وجود العشرات من الأنظمة الثنائية في قائمة مصادر أشعة جاما التي التقطها مرصد فيرمي، لكن لم يتمكن أحد من إيجاد خصائص نبض أشعة جاما لها، ونأمل أن يمكِّننا البرنامج من فعل ذلك، ومن يدري ما المفاجآت التي تنتظرنا».

اقرأ أيضًا:

ماذا تعرف عن توهج الثقوب السوداء؟

كيف تتمزق النجوم عند اقترابها من الثقوب السوداء؟

ترجمة: أحمد جمال

تدقيق: أكرم محيي الدين

المصدر