علماء يستخدمون الميكروبات لصناعة خرسانة ذاتية الإصلاح!
تُعد الخرسانة مادة سهلة التعرض للتشقق والانكماش والجفاف بل حتى للكسر، لكن إضافة نوع من البكتيريا قد يساعد على التغلب على نقاط الضعف هذه، فكيف ذلك؟
يستهلك البشر نحو 30 مليون طن من الخرسانة سنويًا حول العالم، ما يضعها في المرتبة الثانية لأكثر المواد استهلاكًا بعد الماء. لكن لسوء الحظ، يُعد إنتاج الخرسانة من المواد المستهلكة للطاقة ويسبب نحو 8% من انبعاثات الكربون. ما دفع العلماء إلى استثمار كثير من وقتهم في التفكير بطرق جديدة لتقليل تكلفة هذه العملية وأثرها البيئي الحاد، وذلك بجعل الخرسانة تعيش فترةً أطول.
أثمرت جهودهم طوال عقود في عدة أفكار مبتكرة، منها الخرسانة النانوية -التي لا يزيد حجم حبيبات الأسمنت الموجود في الخلطة على 100 نانومتر- والخرسانة عالية الأداء المسلّحة بألياف الكربون، إضافة إلى الخرسانة الخضراء ذات المكونات الصديقة للبيئة. وقد استكشفوا أيضًا عالم المكروبات، وبالتحديد البكتيريا القادرة على إصلاح الخرسانة قبل أن تبدأ الشقوق الصغيرة بالتسبب بصدوع كبيرة وكارثية.
تكمن الفكرة العامة بإمكانية إدماج البكتيريا في الخليط الخرساني، ومع تشكّل الشقوق في الخرسانة، تتعرض البكتيريا للهواء وتسبّب رواسب كربونية ميكروبية، غالبًا ما تكون بهيئة مركب كيميائي قوي -كربونات الكالسيوم- وبالنتيجة يعالج هذا الشقوق. وبانتهاء هذا العمل الميكروسكوبي، تعود البكتيريا إلى حالة السبات.
هنا يأتي السؤال: ما أفضل بكتيريا لهذه المهمة؟ نشر الباحثان مارلون فارفان-كوردوفا ونيليدا ميلي أوتينيانو من جامعة سيزار فاييخو في بيرو دراستهما في مجلة ساينتيفيك ريبورت لإجابة هذا السؤال، وقد اختبرا جنسين رائدين من البكتيريا -العصوية والمتسلسلة- لمعرفة أيهما يحقق أفضل النتائج في الإصلاح الذاتي. وقد اختارا هذين النوعين بسبب قدرتهما على إنتاج كربونات الكالسيوم -أو الكالسيت في أكثر أشكالها المعدنية استقرارًا- وكذلك قدرتهما على الازدهار في الظروف القلوية التي توجد عادةً في الخرسانة (بدرجة حموضة 8 - 10 pH).
قال الباحثان إن الخرسانة تُستخدم بكثرة في البناء بوصفها مادة إنشائية، لكن قوة الشد فيها محدودة، وهي معرضة للتشقق تحت الأحمال الميكانيكية، إضافةً إلى الانكماش الذاتي والجفاف، وقد أظهرت أنواع بكتيرية مختلفة من نوع العصويات قدرة على ترسيب الكالسيت بعملياتها الأنزيمية، بينما اشتهرت أنواع البكتيريا المتسلسلة بإمكانية التثبيت الحيوي بإنتاج أنزيم الأنهيدراز الكربوني الذي يلتقط ثاني اكسيد الكربون ويكوّن بلورات الكالسيت.
كدّس الباحثان رملًا نهريًا معقمًا -بوصفه ركامًا خرسانيًا شائعًا- في عمودين صغيرين، ثم أضافا لكل منهما محلولًا بكتيريًا، وبعد عشرة أيام أظهر الاختبار أي بكتيريا أكثر ملاءمة لهذه المهمة. مع أن البكتيريا المتسلسلة أنتجت بلورات كربونات الكالسيوم، فقد كان توزيعها أقل انتظامًا ما سبب ارتباطًا أضعف. أما البكتيريا العصوية على الجانب الآخر، فقد أنتجت بلورات بأحجام بين 1 و4 ميكرومتر، وكان توزيعها منتظمًا عبر السطح، وبالمسح الميكروسكوبي الإلكتروني، تأكد تكوين جسور صغيرة بين حبيبات الرمل ما سبب ارتباطًا أقوى.
كتب الباحثان: «أظهرت البكتيريا العصوية قدرة أكبر على التثبيت الحيوي، مع إنتاج أوضح لبلورات كربونات الكالسيوم، ما أدى إلى تماسك أعلى لأعمدة الرمل، في حين أظهرت البكتيريا المتسلسلة قدرة محدودة على تكوين جسور تثبيتية، ما يقيّد استخدامها المباشر في الخرسانة ذاتية الإصلاح».
لا يقتصر دور البكتيريا العصوية على إطالة عمر الخرسانة فحسب، بل قد تقلل أيضًا الحاجة إلى أعمال الإصلاح، ما يوفّر فائدة بيئية مزدوجة. ومع أن الخرسانة ذاتية الإصلاح بدأت تشق طريقها إلى مشاريع البناء الحديثة، يتوقع الخبراء أنها ما تزال بحاجة إلى عدة سنوات قبل أن تكتسب زخمًا واسع النطاق، مع تراجع التردد القائم تجاه اعتماد هذه المادة الجديدة تدريجيًا، وما إن تنطلق عجلة الخرسانة ذاتية الإصلاح، لن يكون من السهل إيقافها.
المصادر:
الكاتب
أحمد صبري عبد الحكيم

تدقيق
محمد حسان عجك
