عند تبريد مادة مغناطيسية مضطربة وتصل إلى الحرارة المطلوبة يحدث أمر مثير للاهتمام، إذ تتوقف ذراتها عن اللف المغزلي وتبقى ساكنةً في مكانها ضمن نمط ثابت، مظهرةً سلوكًا تعاونيًا على غير العادة. رأى الفيزيائيون الآن العكس للمرة الأولى، إذ تجمد عنصر النيوديميوم المغناطيسي الطبيعي عند تسخينه بصورة جزئية في عملية قلبت التوقعات رأسًا على عقب.

قال الفيزيائي ألكساندر خاجيتوريانز من جامعة رادبود في هولندا: «كان السلوك المغناطيسي الذي رصدناه في النيوديميوم نقيضًا لما يحدث عادةً. يُعد ذلك مخالفًا للتوقعات، مثل الماء الذي يتحول إلى مكعب ثلج عند تسخينه».

يتوافق اللف الذاتي المغناطيسي للذرات في الاتجاه ذاته في مادة مغناطيسية حديدية تقليدية مثل الحديد، أي تتوجه أقطابها المغناطيسية الشمالية والجنوبية بالطريقة ذاتها في فضاء ثلاثي الأبعاد. بينما يكون اللف المغزلي عشوائيًا في بعض المواد، كما هو الحال في بعض أنواع سبائك الحديد والنحاس، وتعرف هذه الحالة باسم الزجاج المغزلي.

قد يتبادر إلى الذهن أن النيوديميوم معروف بكونه مادة ممتازة لصنع المغناطيس، وهذا أمر صحيح لكن يجب خلطه مع الحديد ليتوافق اللف الذاتي. يسلك النيوديميوم سلوكًا مغايرًا لأنواع المغناطيس الأخرى، إذ صنفه الفيزيائيون منذ عامين فقط بأنه مادة زجاج دوار ذاتي التوليد. يبدو الآن أن النيوديميوم أغرب بكثير مما ظن الفيزيائيون.

يؤدي ارتفاع درجة حرارة مادة ما عند تسخينها إلى ازدياد طاقتها، ويزيد ذلك من حركة اللف المغزلي فيما يتعلق بالمغناطيس. لكن عكس ذلك يحدث أيضًا، أي إن اللف المغزلي يتباطأ عند تبريد المغناطيس. أما بالنسبة للزجاج الدوار، فإن حرارة التجمد هي النقطة التي يسلك عندها الزجاج المغزلي سلوكًا أقرب لمغناطيس حديدي تقليدي.

أراد فريق من العلماء بقيادة الفيزيائي بينجامين فيرلهاك من جامعة رادبود البحث في سلوك النيوديميوم في ظل درجات حرارة متغيرة. وبصورة مثيرة للاهتمام، وجدوا أن رفع درجة حرارة النيوديميوم من 268 درجة مئوية تحت الصفر إلى 265 درجة مئوية تحت الصفر ولد حالة التجمد التي تظهر عادةً عند تبريد الزجاج المغزلي. عاد اللف المغزلي مجددًا إلى حالة الاضطراب عندما برد العلماء النيوديميوم مرةً أخرى.

إن سبب حدوث ذلك ما زال غير واضحًا، إذ يندر جدًا أن تسلك مادة طبيعية سلوكًا خاطئًا ومغايرًا لسلوك جميع المواد من النوع ذاته. يعتقد العلماء أن للأمر علاقة بظاهرة تعرف بالإحباط الهندسي، تحدث عندما تكون مادة ما غير قابلة لبلوغ حالة منظمة مؤديةً بذلك إلى حالة قاعية مضطربة، كتلك التي نراها في الزجاج المغزلي.

قال الباحثون إن النيوديميوم قد يمتلك روابط معينةً تعتمد على الحرارة عندما يكون في حالة الزجاج المغزلي. يضعف رفع درجة الحرارة هذه الروابط، وعلى ذلك يضعف الإحباط الهندسي أيضًا، ما يتيح للدوران الاستقرار باتساق. قد يكشف المزيد من البحث عن الآلية المسؤولة عن هذا السلوك الغريب، إذ ينتج النظام عن الاضطراب بإضافة الطاقة.

أشار الباحثون إلى أن للأمر آثارًا تتجاوز الفيزياء، إذ أوضح خاجيتوريانز قائلًا: «لا يحدث تجمد النمط هذا عادةً في مادة مغناطيسية. فإذا تمكنا في النهاية من وضع نماذج لكيفية تصرف هذه المواد، سنستطيع عندها استقراء ذلك لسلوك مجموعة واسعة من المواد الأُخرى».

اقرأ أيضًا:

كيف تشكلت بعض المجرات دون مادة مظلمة؟

كيف تشكلت بعض المجرات دون مادة مظلمة؟

ترجمة: ربيع شحود

تدقيق: جنى الغضبان

مراجعة: محمد حسان عجك

المصدر