عزيزي القارئ، أريد منك لطفًا قبل أن تشرع في قراءة هذا المقال، أن تتخيل معي سُلّمًا مهولًا درجاته الأولى مدفونة في الماضي السحيق حيث يتعذر النبش بيدين عاريتين. وعلى إحدى الدرجات التي تمثِّل الحاضر نقبع كلنا، نتقاسم -وبنو جنسنا- ذات الرقعة والمصير، بل ذات الاسم حتّى «الإنسان المعاصر».

يختلف الإنسان المعاصر اليوم كثيرًا عن أسلافه في السلسلة التطورية. وبينما أمكن تتبع «الميكروبات» مثلًا للوصول إلى منشئها الأول في الطين البِكر، لم تُعِن الأدلة المعروفة حاليًا العلماء على تتبع نوعنا المميز أو الفريد إلى زمانٍ ومكانٍ مفردين ومحددين حيث أصل نشوئنا!

أجرى فريق من العلماء مراجعةً شملت جميع المعارف التي توصّل إليها الإنسان عن أصوله حتى وقتنا الحاضر، وتوصلوا إلى أنّه قد لا توجد إطلاقًا نقطة زمنية وحيدة يعود إليها أسلافنا، وأنّ أقدم الملامح والسلوكيات المعروفة والمميِّزة للإنسان العاقل تتوافق مع تواريخَ متنوعة في سجلات التطور. إذن، نحن ببساطة لا نملك سجلًا أحفوريًا واسعًا بما يكفي للإقرار بحتمية وجود مكانٍ وزمانٍ محدّدين ظهر فيهما الإنسان العاقل!

يقول كريس سترينغر عالم الأنثروبولوجيا بمتحف التاريخ الطبيعي في لندن بالمملكة المتحدّة: «عاش البعض من أسلافنا في زُمر أو جماهِر عُرف الكثير عن ملامحها عبر السجل الأحفوري، لكن لم يُعرف إلا القليل فقط عن البعض الآخر منهم. يزداد اليوم الاعتراف بالحقيقة القائلة إنّنا ننحدر من أصول تلفها تعقيداتٌ جمّة، ولذلك ينبغي أن يستهدف العمل الميداني في مجال علم أصول البشر بقاعًا جغرافيةً أوسع على مدار العقود القادمة؛ ليشمل مناطق عدّتها أبحاثنا السابقة في أصول الإنسان هامشيّة، كتلك الأراضي وسط القارة الأفريقية وغربها، وأراضي شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا».

نحن نملك بالفعل بضعة أفكارٍ عامةٍ عن تاريخنا، فنحن نعرف أن الإنسان العاقل قد انفصل عن أسلافه القدامى قبل زمنٍ يتراوح بين مليون و300,000 سنة مضت. يُذكر أن تسعة أنواع من البشر كانت تقطن الكوكب آنذاك.

هل يمكننا تتبع أصل الإنسان المعاصر إلى أي نقطة مفردة من الزمان أو المكان - السجل الأحفوري لأسلاف البشر - كيف تطور الإنسان الحديث

بعد ذلك الحين، صرنا نعلم أن أنواعًا مختلفة قد انبثقت عن أسلاف الإنسان المُعاصر في أفريقيا قبل 300,000 إلى 60000 سنة ولّت.

أخيرًا، وقبل 60,000 إلى 40,000 سنة مضت، هاجر أولئك البشر المعاصرون خارج حدود القارة الأفريقية، منتشرين في جميع أنحاء العالم، ونتج عن ذلك تزاوجهم مع كلٍّ من إنسان النياندرتال وإنسان دينيسوفان قبل انقراضهما.

نفى الباحثون اليوم إمكانية تحديد زمانٍ ومكانٍ أكثر دقّة بوصفهما نقطة بدء تنوُّع الإنسان المعاصر في أفريقيا، وجاء ذلك استنادًا إلى الأدلة الحالية القائمة على المعلومات الجينومية المعروفة والسجلات الأحفورية.

يشرح بونتوس سكوجلند عالم الوراثة في معهد فرانسيس كريك بالمملكة المتحدة: «على عكس الاعتقاد الشائع، فشلت سجلات الجينوم والأحافير حتى الآن في التعرف على نقطة محددة زمانيًا ومكانيًا على أنها نقطة الأصل التي خرج من رحمها نوعنا الحالي».

ويتابع: «إن افتراض وجود نقطة زمنية كتلك، حيث وُجد أسلافنا في رقعة جغرافية صغيرة وظهرت حينها الصفات المميزة لنوعنا الحالي؛ ربما يكون افتراضًا خاطئًا. وسيكون مفيدًا الآن أن نخطو بعيدًا عن مثل ذلك الافتراض».

وقد أكد الباحثون أنه ينبغي لنا -بدلًا من ذلك- أن نخطو صوب الفصل بين ظهور علوم كلٍّ من: التشريح ووظائف الأعضاء والسلوك البشري؛ وبين الأصل الوراثي. ومن شأن هذه الخطوة أن تساعد أيضًا على الفصل بين تساؤلين هما: متى ظهر الأصل البشري؟ ومتى ظهر السلوك البشري؟

فقد لاحظ الباحثون أن عدم الخلط بينهما يُعرِّض ما كان على الأرجح عمليةً معقدةً وطويلة إلى التبسيط.

تقول إلينور سكيري عالمة الآثار في معهد ماكس بلانك لعلوم التاريخ البشري في ألمانيا: «تنبثق أسئلة جوهرية اليوم -انطلاقًا من إدراكنا المستجد هذا- تتمحور حول الآلية التي قادت هذا المزيج البشري متنوع السلف، وأسهمت في استمراره عبر مختلف العصور والأمكنة».

وتضيف سكيري: «إنّ فهم العلاقة بين تصدُّع المواطن التي اتخذها الإنسان وتغييره إياها سيؤدي بلا شكٍّ دورًا مفتاحيًا في رفع الغموض عن تلك الأسئلة، واستكشاف الأنماط الديموغرافية الأكثر توافقًا مع السجلات الجينومية والأحفورية».

اقرأ أيضًا:

التحدر المشترك: كل شيء أو لا شيء

15 اجابة على ادعاءات معارضي نظرية التطور

ترجمة: باسل الجردي

تدقيق: حنين سلَّام

المصدر