ابن خلدون؛ عالم تاريخ، ومؤرخ مشهور. يُنظَر إليه أحيانًا بوصفه أحد الروّاد والسباقين في علوم كتابة التاريخ، والاجتماع، والاقتصاد المعاصرة.

ولِد ابن خلدون في دولة تونس الحالية في السابع والعشرين من مايو عام 1332م (732 هجري)، وتوفي في التاسع عشر من مارس عام 1406م (808 هجري).

تبوأ ابن خلدون مناصب سياسية رفيعة؛ إذ شغل منصب رئيس وزراء مصر، وشهد الخدمة العسكرية النشيطة. تعود شهرة ابن خلدون إلى مقدمته (المقدمة -Prolegomena )، وقد وَصَف التاريخ الإسلامي بكونه دورة متعاقبة من النهوض والازدهار ثم السقوط والانهيار؛ لم يدم حكم الخلفاء الأربعة الأوائل المُشرق والمُلهم، وحلّت مكانه مؤسسة ملكية اعتمدت حكم السلالات، وكان هذا أمرًا غير مثالي فرضته حتمية الواقع. إذ تمر المدن غالبًا بحقبة من الإصلاح والازدهار، ولكن في المقابل ينتشر الفساد فيها، لأن التماسك الاجتماعي أو العصبية، التي تلم شتات المجتمعات الحضرية، تميل إلى التفكك والانهيار بمرور الزمن، بفعل موجات الهجرة من الريف أو الصحراء.

وصف أرنولود تونبيي نظرية ابن خلدون في التاريخ قائلًا: «بلا شك، إنها أعظم عمل من نوعه، لم يَأت بمثله أي شخص، في أي زمان، وأي مكان».

تعامل ابن خلدون بحذر مع المجتمعات المسلمة والمسيحية. وفي أثناء وجوده في المنفى -بين عامي 1364 و1365- في الأندلس، عرض عليه ملك إشبيلية المسيحي وظيفة، إذ تعهد إلى ابن خلدون بإعادة جميع عقارات أسلافه في ضواحي إشبيلية. لم يقبل ابن خلدون عرض ملك إشبيلية، وقرر -بدلًا من ذلك- العودة إلى شمال إفريقيا، ولكنه تماشى مع سياسة الأمر الواقع في ذلك الوقت حتى بدا جزءًا لا غنى عنه في مشهد مبالغ فيه من التآخي والمودة بين أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث، التي ميزت إسبانيا المغاربية في تلك الحقبة.

يعود الفضل في إعادة إحياء أعمال ابن خلدون ونظرياته -في العالم الحديث- إلى توافر ترجمات لكتاباته، تعود إلى أواسط القرن العشرين.

ابن خلدون – سيرة ذاتية:

تتميز حياة ابن خلدون بأنها حسنة التوثيق نسبيًا، كونه كتب سيرة ذاتية بعنوان: «التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا»، ونشرها محمد بن تاوت الطنجي، في القاهرة عام 1951. وقد ذُكِرت الكثير من الوثائق المتعلقة بحياته حرفيًا في تلك السيرة الذاتية. وعلى الرغم من وفرة المعلومات في سيرة حياته، نجد القليل يتحدث عن حياته الشخصية؛ ولهذا السبب لا نعرف كثيرًا عن عائلته. ولِد ابن خلدون -الذي سُمِيَّ على اسم جد بعيد- في تونس عام 1332م (732 هجري) لعائلة «بني خلدون» الأندلسية، التي تنتمي إلى الطبقة العليا.

هاجرت عائلته -التي وصلت إلى مناصب رفيعة في الأندلس- إلى تونس بعد سقوط إشبيلية إبان عهد الاسترداد، الذي حدث في أواسط القرن الثالث عشر. وشغل بعض من أفراد عائلته مناصب سياسية في ظل حكم السلالة الحفصية، ولكن والده وجدّه قد انسحبا من مشهد الحياة السياسية، وانضما إلى جماعة صوفية.

(عهد الاسترداد: “Reconquista” كلمة إسبانية وبرتغالية، تقابل الكلمة الإنكليزية “Reconquest”، أي الاسترداد، وهي حقبة من الزمن استمرت 750 عامًا، وسَّعت فيها ممالك مسيحية عدة حدودها، في شبه الجزيرة الأيبيرية، على حساب الدول المغربية في الأندلس).

في سيرة حياته الذاتية، تعقب ابن خلدون نسب عائلته إلى زمن النبي محمد (ص)، ووجد أنه يعود إلى قبيلة عربية من اليمن -حضرموت تحديدًا- وصلت إلى إسبانيا في القرن الثامن في بداية الفتح الإسلامي.

كتب ابن خلدون: «يعود نسب عائلتنا إلى حضرموت إلى عرب اليمن إلى وائل بن حجر أحد أشهر العرب وأكثرهم احترامًا»، ولكن يشكك واضع السيرة الذاتية محمد عنان في ادعاء ابن خلدون، ويلمح إلى أن عائلته قد تكون من البربر الذين تظاهروا بأنهم عرب من أجل نيلهم منزلة اجتماعية. من جهة أخرى، يعتقد محمد هوزين أن «الهوية البربرية الزائفة قد تكون صحيحة»، إذ إن أسلاف ابن خلدون لم يغيروا نسبهم إلى أصل عربي في الوقت الذي غادروا فيه الأندلس، وانتقلوا إلى تونس. وحتى في الحقبة التي حكم فيها البربر -المرابطين والموحدين- لم تسترجع عائلة ابن خلدون إرثها البربري.

التعليم الذي ناله ابن خلدون:

أتاحت منزلة عائلة ابن خلدون المجال أمامه ليدرس مع أفضل معلمي شمال إفريقيا في ذلك الزمان. وقد تلقى تعليمًا عربيًا تقليديًا تمثل بدراسة القرآن الكريم وعلم اللغويات العربية -الذي يشكل أساسًا لفهم القرآن الكريم والشريعة الإسلامية- والحديث والفقه. كان الصوفي وعالم الحساب والفيلسوف العبيلي من عرَّف ابن خلدون بعلوم الحساب والمنطق والفلسفة، وإضافةً إلى جميع ما سبق من علوم، لقد درس ابن خلدون أعمال ابن رشد وابن سينا والرازي والطوسي. وفي عمر السابعة عشر فقد ابن خلدون كلا والديه إثر وباء الطاعون الذي اجتاح تونس آنذاك.

سار ابن خلدون على خطا عائلته، وعمل في السياسة، التي تطلبت درجة عالية من المهارة والفطنة، خصوصًا في وقت كانت الحياة السياسية في تونس تعصف بها التغيرات على الدوام، ما استدعى من أي سياسي كابن خلدون أن يقيم الأحلاف وينهيها في الوقت المناسب؛ لتجنب السقوط إثر فقدان الحكام -الذين تمتعوا بالسلطة والقوة لبرهة وجيزة من الزمن- مناصبهم.

عندما تقرؤون سيرة ابن خلدون، قد تظنونها قصة مغامرة؛ إذ يروي فيها أنه أمضى زمنًا في السجن، وتبوأ مناصب رفيعة، وقضى وقتًا في المنفى.

حياته المبكرة في تونس وغرناطة:

بدأ ابن خلدون حياته السياسية في عمر العشرين لدى سفارة الحاكم التونسي ابن تفراكين بمنصب «كاتب العلامة»، الذي يتضمن كتابة ملاحظات أولية بخط جيد للوثائق الرسمية. وفي عام 1352، أبحر أبو زياد -سلطان قسطنطينة- نحو تونس وهزمها.

بالنسبة إلى ابن خلدون -الذي لم يكن راضيًا بأي حال من الأحوال عن منصبه السياسي الذي ضمن له الاحترام، ولكنه لم يكن ذا فائدة من الناحية السياسية- فقد لحق معلمه العبيلي إلى مدينة فاس، وهناك منحه السلطان المريني أبي عنان الفارس الأول منصب كاتب القرارات الملكية. لم يمنعه ذلك من التآمر على مرؤوسه، وقد حُكِم عليه -نتيجة لتآمره- بالسجن لاثنين وعشرين شهرًا عام 1375، وكان يبلغ من العمر خمسةً وعشرين عامًا. بعد وفاة أبي عنان عام 1358، أطلق الوزير الحسين بن عمر سراح ابن خلدون، وأعاد له منزلته ومنصبه.

ولاحقًا تآمر ابن خلدون على خليفة أبي عنان أبي سالم إبراهيم الثالث مع عمه المنفي (أبي سالم). وعند وصول أبي سالم إلى السلطة، منح ابن خلدون منصبًا وزاريًا تلاقى -أول مرة- مع طموحاته وتوقعاته.

في المقابل، وبعد سقوط أبي سالم بسعي من ابن عمار عبد الله -صديق ابن خلدون- لم يجنِ ابن خلدون أي حقيبة رسمية مهمة، ولذلك كان خائب الأمل. في الوقت ذاته، نجح عمار -الذي كان مدركًا مدى مهارة ابن خلدون السياسية وحنكته- بمنع ابن خلدون من التحالف مع عبد الواددين في تلمسان؛ ولذلك قرر ابن خلدون الانتقال إلى غرناطة، وكان على يقين من أنه سيلاقي ترحيبًا حارًا هناك؛ كونه قد ساعد سلطان غرناطة النصري محمد الخامس في أثناء إقامته في فاس على استعادة سلطته من منفاه المؤقت. في عام 1364، عهد محمد لابن خلدون بمهمة دبلوماسية ذهب فيها إلى بيدرو المتوحش ملك قشتالة ليوقع معه معاهدة سلام، إذ نجح ابن خلدون في تنفيذ المهمة، ورفض بلباقة وأدب عرض بيدرو البقاء في بلاطه، واسترجاع أملاك عائلته الإسبانية.

في غرناطة سرعان ما دخل ابن خلدون في منافسة مع وزير محمد (ابن الخطيب)، الذي نظر بشك وريبة إلى العلاقة المقربة التي جمعت بين ابن خلدون ومحمد. حاول ابن خلدون أن يقولب الشاب محمد على فكرته المثالية للحاكم الحكيم. وقد رأى ابن الخطيب خطوة ابن خلدون جرأة وحماقة؛ تعرِّض أمن البلاد وسلامتها للخطر، وقد أثبت التاريخ صحة اعتقاده. وبتحريض منه، أعيد ابن خلدون في نهاية الأمر إلى شمال إفريقيا. أما ابن الخطيب، فقد اتُهم لاحقًا بتبنيه أفكار وآراء فلسفية فاسدة وغير قويمة، وقُتِل إثر ذلك على الرغم من محاولة ابن خلدون التشفع نيابة عن غريمه القديم.

يخبرنا ابن خلدون في سيرته الذاتية القليل عن صراعه مع ابن الخطيب وأسباب رحيله. ويفسر المستشرق محسن المهدي ذلك بأنه دليل على إدراك ابن خلدون لاحقًا أنه لم يعرف محمد الخامس جيدًا، وأساء التقدير بخصوص شخصيته وطباعه.

اقرأ أيضًا:

من هم البرابرة؟ من أين أتت التسمية وما معناها اليوم؟

أشهر علماء اللغة العربية في التاريخ

ترجمة: طارق العبد

تدقيق: يمنى عيسى

مراجعة: حسين جرود

المصدر